الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠بعضهم من بعض اهـ وأقول حسب فهمي - حاشا النبي أن يمتدح المضاربة في الأسواق المالية والنقدية وهي أم خبائث الاقتصاد وموئل كل سوء تأتي به الأزمات الاقتصادية، ولا يعدو ذلك التفسير أن يكون إغماضا للعين أمام السوء والمفاسد التي جلاها أبناء النظام أنفسهم، ومن أبسط قواعد الفقه الإسلامي سد ومراعاة مآلات الأفعال والعقود وما رأيت مآل خير للمضاربة ذرائع بالصورة المذكورة والله أعلم.
الفساد
على أن عمدة إجازة المجيزين من الفقهاء أمران: أولهما تشبيهها بالمتاجرة، وثانيهما أنها بيع لنصيب شائع من الشركة وقد حكي اتفاق الفقهاء على جواز بيع النصيب الشائع، ولم يأت شيء من النصوص الشرعية محددا الجواز بزمن دون آخر فيجوز أن يـ الأسهم الآن ويبيعها مباشرة بعد أن يتحقق الملك ويتم
القبض.
غير أني أتوقف في الاستدلالين السابقين كليهما ولا أراهما حجة لإلباس المضاربة اللبوس الشرعي، بيان ذلك:
أن أولى الحجتين قائمة على تشبيه المضاربة بالمتاجرة وبقية وجوه الاستثمار وهي جائزة، غير أني لا أتفق مع هذا التوجه وأقول إن هناك فروقا بينهما أجملها ليستدل بذلك على أن هذا القياس تنقصه الدقة العلمية فهو قياس مقدوح
بالفارق
1 - التاجر يقبض السلع أما المضارب فلا يقبض شيئا بل يكتفي بالمقاصة بين فروق الأسعار، يقول سامولسون ابن النظام الرأسمالي وعالم الاقتصاد المعاصر:
لا يهتم المضاربون باستخدام السلعة أو عمل أي شيء بها بل إن همهم هو شراؤها بسعر منخفض اليوم وبيعها بسعر أعلى فيما بعد، وآخر شيء يودون رؤيته أن تصل شاحنة البيض إلى أبوابهم … والأغلب ألا يلمس المضاربون الذرة حتى ولا حبة ذرة واحدة وقد لا يحتاجون لمعرفة أي شيء عن تكنلوجيا التخزين أو التسليم فكل ما يفعلونه هو مجرد البيع والشراء على الورق.
هو
2 - التاجر والمستثمر استثمارا حقيقيا يعولان على استقرار الأسعار لتنجح خطط دراسة الجدوى وتؤتي ثمارها، أما المضارب فلا يعول إلا على اضطرابها وتقلبها؛ لأنها إن ثبتت فلن يربح شيئا. 3 - في المتاجرة يربح كل من البائع والمشتري، أما في المضاربة فلا يربح الرابح إلا بمقدار ما يخسر الخاسر. 4 - التجارة منتجة ونافعة للمجتمع وتزيد من رفاهيته ما دامت في الطيبات أما المضاربة فغير منتجة إطلاقا بل على العكس من ذلك هي سبب للتضخم المالي واضطراب قيمة العملات كما تقدم، وإن اضطربت العملة التي هي محور التبادل لكل السلع في الاقتصاد فمعناه لزاما أن الاقتصاد كله في اضطراب أي أن حياة الناس كلها في اضطراب.
والسابق كله تفريق يظهر لكل ناظر والتحليل الاقتصادي يثبت أن هناك ثلاث مراتب في الاستثمار عموما المالي والحقيقي) فهو إما أن يكون مقامرة
(1) سامويلسون، الاقتصاد، ص 214.
- 387 -
- 386 -