الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٢إن مما لا ينبغي أن يعزب عن الفقيه دوما أن العقد الشرعي حتى يحكم عليه بالجواز لا بد من أن يمر بمراحل ثلاث:
المرحلة الأولى مرحلة النية، فلا بد من أن يكون قصد المكلف سليما موافقا لقصد الشارع، وإلا كان آثما ويحرم عليه الإقدام على العقد بيان ذلك أن الشريعة نظمت العقود ليصل بها الناس إلى مقاصد اعترفت بها وسوغتها، فإن ناقضها المكلف واستغل الصورة الشرعية الظاهرة ليتوصل بها إلى ما لا ترضاه الشريعة فإنه يكون آثما بذلك، فعقد البيع من حيث الجملة شرعي تنتقل به الأعيان والأعواض من ذمة إلى أخرى لكن لا يجوز أن يكون سبيلا يتخذ المكلف صورته الظاهرة التي شهد الشرع لها بالجواز للوصول إلى استباحة المحرمات كما يفعل أهل العينة، فإن تعامل بالعقد الشرعي ظاهرا وهو يقصد المحرم الذي هو دراهم بدراهم متفاضلة مع النسيئة فإنه يكون آثما بذلك ولا يجوز له شرعا الإقدام عليه ومثل ذلك عقد النكاح لأجل تحليل المطلقة ثلاثا، وهذا الأمر يتوجه لكل مكلف
بينه وبين ربه.
المرحلة الثانية:
هي
المرحلة التي تعنى بالصورة الظاهرة للعقد من استكمال شروط العقد وأركانه وهذا أمر يخص، ما أفادته الأصول الشرعية وأصله البناء الفقهي الفقهاء فهم الذين يبتون فيه وهل العقد مستكمل لبناء العقد الفقهي المتقرر أو لا، والواقع يثبت أن هيئات الفتوى في المصارف الإسلامية بل على عمومها قد قامت بهذه المهمة خير قيام والثروة الفقهية الموجودة الآن ما هي إلا ممارسة لهذه المرحلة من مراحل ميلاد الحكم الفقهي غير أنه لا يعني الوصول إلى هذه المرحلة نهاية المطاف وكمال خلق الحكم الفقهي وثبوت الجواز له بل لا بد من المرحلة الثالثة. المرحلة الثالثة:
هذه المرحلة هي مرحلة مراعاة المآل الواقعي الذي سينتج عنه إثبات حكم الجواز للعقد أو لأي معاملة كانت بيان ذلك أنه قد جاءت الشريعة بالعقود وتنظيمها لأجل أن تحقق مصالح معتبرة ترجع بالخير للناس في حياتهم وتحفظ لهم الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها، فإن كانت العقود مع صبغتها الفقهية الظاهرة مناقضة لأصل مراد الشارع وتؤول بالناس إلى دخول الفساد عليهم بما ينتهك شيئا من محظورات الشريعة فإنه لا يقال بجواز هذه العقود وإن استكملت البنية الفقهية الظاهرة إذ كيف تقضي الوسيلة على الهدف الأصلي ووجودها ما كان لذاتها بل لما ستؤدي إليه من مصلحة اعتبرها الشرع، فإجازتها ما كانت إلا لمظنة تحقيقها للمقصد الأصلي، فإن تبين أنها بتطبيقها تعارض مقصد
- 391 -
- 390 -