الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤الشريعة وتؤول إلى أن ينتج عنها ما لا يريد الشرع تحققه فإنها تلغى ويصار إلى ما يحقق المقصد الشرعي بوسيلة لم يشهد الشرع لها بالإلغاء
بيان السابق أن عقد البيع سبيل أباحه الشارع لأجل أن يتبادل الناس به الأعواض والأثمان مادام هذا التبادل في سياق الطيبات، لكن إن نتج عنه وصول إلى محرم شرعا فلا يقال بجوازه ومن هنا أفتى الفقهاء بعدم جواز بيع العنب لمن يعلم من حاله أنه سيعصره خمرا، وهكذا لا يجوز بيع السلاح لمن يعلم من حاله أنه سيفتك به غيره ظلما، مع أن العقد في كلا المسألتين قد يكون مستكملا للصورة الشرعية لكن بما أنه سيؤول إلى حال يناقض مقصود الشارع في حفظ العقل في
لها
الأولى وفي حفظ النفس في الثانية فإنه لا يثبت له حكم الجواز الشرعي. وهذه المرحلة قد لا تكون في أحيان كثيرة من اختصاص الفقيه ولا يصح له أن يبت فيها بل هي من اختصاص أرباب العلوم المختلفة وأصحاب الخبرات المتعددة فهم الذين يبينونها بخبرتهم المحضونة في حجر العدالة والموثوقية في إطار مؤسسي مركزي تعارف الفقهاء قديما على تسميته بالسياسة الشرعية والتي سلطة تقييد المباحات في أصل الشريعة إن رأت مجتمع المسلمين مضطرا إلى مثل هذا الإجراء من حيث تحقيق المصالح أو دفع المفاسد عنه ودونك مثالا واقعيا على ذلك، قبل سنوات من الآن قضى مرسوم سلطاني بالمنع من بيع الأرض التي تمنحها الحكومة قبل أن يمضي عليها عامان وفق استثناءات معينة، ويفترض أن يكون هذا القرار مبنيا على تحقيق مصالح تلحق الناس وتدفع عنهم مفاسد محققة ولو في فترة زمنية معينة؛ لأن حمى المضاربة على
أسعار الأراضي حينها كما شهدتها بنفسي - قد استعرت وكان الوضع غير طبيعي إطلاقا فالأرض التي لا يُعلم موضعها إلا بطائرة هيلوكوبتر ولم يصل إليها من الخدمات شيء تبلغ مبلغا خياليا وهو لا يعبر عن عشر قيمتها الحقيقية، أليس ذلك كله مفسدة تقتضي أن تستأصل بشتى الطرق، وقد ارتضى القائمون على الأمر بأن يستأصلوها بالحد من عمليات البيع والشراء حتى تتراجع الأسعار أو على الأقل لا تستمر في غليانها وهو أمر مقرر من قبل أهل الخبرة والشأن المتخصصين في التحليل الاقتصادي وأنه مما يعين على دفع المفسدة السابقة التي لا ينتج عنها إلا أن تغلو الأراضي على مريديها حقيقة، وأن تتوقف عجلة الاستثمار الحقيقي بسبب توظيف الأموال في الاستثمار المالي الذي يرجع في مثل هذه الظروف بمآلات السوء على الاقتصاد كله، على أن غلاء الأراضي المفتعل والذي يعبر عن الحقيقة في شيء لا يقتصر عليها وحدها بل سينعكس على كل القطاعات الأخرى من غذاء ومركب وملبس وخدمات ومنافع لأنها وحدة
لا
واحدة
ثم إنه مما شخص حينها أن كثيرا من الأراضي كانت تخرج خارج البلد من قبل كبار المستثمرين الذين لا يحتاجونها إلا لأجل أن ترتفع أسعارها فهل من مصلحة البلد تحقق السابق وأن لا يجد الناس أراضي لأجل الاستهلاك الشخصي لهم أهلا وسهلا إن كان خادما ولمن يعولون، نعم نقول للاستثمار الخارجي للاقتصاد الحقيقي بالبلد لا إن كان سببا من أسباب التضخم وارتفاع الأسعار.
- 393 -
- 392 -