الوجيز في فقه المعاملات المالية عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥ولو تصورنا مع المفاسد السابقة أننا اقتصرنا على الصورة الظاهرة للعقد وتحقق أركانها وشروطها ووقعنا عن الله تعالى حكما أنها جائزة فقها مع أننا ستنشأ من جراء هذه العقود فهل سيكون المفاسد التي غضضنا الطرف عن منطقيا أن نقول حينها حيثما توجد المصلحة والعدل فثم شرع الله، وهل يقبل من فقيه أن يدخل الضرر والشدة والمفسدة على الناس باسم الشرع والشريعة ما جاءت إلا لرعاية المصالح مع أنه لا مستند له إلا الصورة الظاهرة للعقد وكأن الشريعة صور وأشباح تراد لذاتها ولم تأت لمعاني ومقاصد يراد منها إدخال الخير على الناس.
ثم إنه مما رأيناه حينها يقينا أن كثيرا من الناس بمجرد أن يعلم أنه قد منح أرضا فإنه لا يشتغل حينها إلا بأن يجد لها مشتريا يعطيه ريالات معدودات دون القيمة الحقيقية فيستهلكها في ترفيات لا ترجع له بمصلحة حقيقية، مع أنه لو تريث فترة يسيرة من الزمان لتضاعف سعرها وكانت المصلحة الخاصة والعامة متعينة في ذلك، أفلا يعد الحجر على مثل هذا لتحقيق مصالح فردية للشخص ذاته ومصالح للمجتمع كله إعمالا لقوله تعالى وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لكُمْ قِينَما وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النكاح فإن استُم مِنهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَهُمْ (النساء: 5 - 6، وانظر كيف يثبت الله تعالى للهيئة الاجتماعية حقا في أموال غير الراشد ومن لا يحسن إدارتها على وجه
يحقق النفع له ولمجتمعه المحيط به، وهذا الحق (الحجر) يرجع إلى ولي الأمر من حيث الأصل وإلا رجع إلى وجوه الناس وثقاتهم من أبناء المجتمع. ولو أن الأمر استؤصل من أوله ومفسدة حمى
المضاربة على أسعار الأراضي أجهز عليها وليدة في مهدها لما أفلس المفلسون حينها ولا اكتظت المحاكم بالدعاوى الناشئة عن الحمى السابقة. ودونك حادثة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - - يوم فتحت أراضي الفتوح مصر والشام والعراق إثر الدولتين الرومانية والفارسية وأراد الجند أن يقسموا تلك الأراضي الشاسعة العظيمة بينهم كما فعل النبي له في خيبر صلى الله عليه وسلم إذ قسمها بين الجند الفاتحين وكان على رأس هؤلاء بلال بن رباح رضي الله عنه، فما رأى لذلك أمير المؤمنين عمر مسوغا وقال: يقسم بينهم المال المنقول من ذهب وغيره أما الأرض فلا لأنه رعى مصلحة الذرية والأرامل كما رعى مصلحة الأجيال التي ستأتي من بعد ورعى مصلحة تمويل الجيوش في سبيل الله وإعدادها بماذا سيكون إن آلت ملكية هذه البلدان الشاسعة والمليئة بالخيرات إلى أفراد عسكريين معدودين، ألن يتحقق تركز الثروة بكل مصائبه الكارثية على المجتمع المسلم كله، لذلك رعى الله المصلحة العامة ولم يقسمها بل جعلها مادة للمسلمين. امام
وقد كان بلال رضي الله عن بلال أحد الجند الفاتحين يلح عليه على أن يقسمها بل يشتد في العبارة إلى أن اضطر أمير المؤمنين عمر أن يقول: اللهم اكفني بلالا وذويه، إن بلالا -رضي الله عن بلال مواطن من مواطني الدولة وسيرجع
_-190 -
- 394 -