أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ١٢

يذكر المرحوم الشيخ أبو اليقظان في بعض تقييداته عن تاريخ الأباضية في جربة ومزاب وجبال نفوسة، موردا رسالة بعثها الشيخ باسة بن موسى المتوفى 1176 م يقول عنها: «لقد عثرنا على رسالة وجهها إلى اخوان له من بني مصعب «مزاب» وهم بجربة يزاولون دروسهم مما ورد فيها: اخواننا الله الله في زيادة العلم ليلا نهارا مساء وصباحا، لأن الجهل مطية من ركبها ذل ومن صحبها ضلّ. ثم يورد أسماء الطلبة يخصهم بالتحية واحدا واحدا (1).

ثانيا: انتقال عالم من منطقة إلى أخرى قياما بواجب التعليم ونشر الفضيلة والتفقه في الدين كان علماء الاباضية حريصين على نشر العلم والمعرفة والمحافظة على مستوى رفيع من العلوم الدينية في مجتمعاتهم ولا أشد خطرا لديهم على المجتمع الاسلامي من الجهل بالدين وليس منّا من قال: ان علم الديانة يدرك بغير التعلم (2)».

ومن هؤلاء العلماء الذين وفدوا الى مزاب تحقيقا لهذا الغرض صاحب الفضل على مزاب في كثير من الأنظمة والنشاط الاجتماعي والثقافي، الشيخ سعيد بن علي بن حميد الخيري الجربي من علماء النصف الأول من القرن العاشر الهجري جاء الى مزاب نجدة له من ورطة الجهل والتخلف ويقال أنه ورد رئيس بعثة من العلماء من جربة ونفوسة طلبها المزابيون من اخوانهم انقاذا للموقف المتردي في مزاب فكان منها:

الشيخ عمي سعيد بن علي الجربي استقر في غرداية وتعرف العشيرة المنتمية إليه بعشيرة آل عمي سعيد. والشيخ بالحاج بن محمد بن سعيد من نفوسة استقر في بني يزقن وعشيرته تعرف بآل ازيار والشيخ دحمان النفوسي استقر في بنورة، وقد أتت هذه البعثة ثمارها خاصة ما قام به كل من الشيخ عمي سعيد والشيخ بالحاج محمد. ومن هؤلاء صاحب الفضل الكبير كذلك على جربة الشيخ يوسف بن محمد المصعبي وابنه من بعده امحمد بن يوسف توفى الأب سنة 1188 هـ، لهذا العالم الجليل آثار قيمة ومواقف محمودة ونشاط اجتماعي ثقافي، أحيا بذلك الحركة العلمية في جربة، وكان مقر نشاطه بالجامع جامع الشيخ أبى مسور بأجيم.

ثالثا: تبادل الوفود والزيارات بين مزاب وجربة، فلا تمر فترة إلا ويزور عالم أو عالمان مع من يصبحهما من الطلبة ومحبي العلم منطقة من تلك البلدان فتترك زيارته حيوية ونشاطا لما يقع في تلك الزيارات من تجمع ولما يلقى فيها من دروس ووعظ ولما يقع فيها من بحث علمي والمراجعة والاستشارة في فتوى معينة أو نازلة حديثة. أذكر على سبيل المثال زيارة الشيخ أطفيش الجربة بمناسبة سفره الى الحج سنة 1303 هـ، والشيخ بيوض الحاج ابراهيم، مرتين أو ثلاث والشيخ محمد التميني وغير هؤلاء.

واني أورد كلمة عن الشيخ أبي اليقظان من مؤلف له مخطوط نقل منه الشيخ علي يحي معمر صاحب كتاب الاباضية

في موكب التاريخ. يقول رحمه الله: يمكن أن نلخص بعض المظاهر التي تدل على هذا الترابط في النقاط التالية: (1) انتقال بعض الأسر من جهة إلى أخرى وتفرعها وقيادتها لحركة التعليم والاصلاح كما وقع من أسرة عبد الفرسطائي في مناطق الاباضية بالجزائر، وكما وقع من الأسر البارونية في جربة، وكما وقع من أسرة آل ورو من مليكة في جربة. (2) نجدة نفوسة لجربة في محنتها بغزو الاسبان سنة 915 هـ.

(3 خدمة الشيخ أطفيش من مزاب رحمه الله لمؤلفات نفوسة وجربة والاستفادة منها واشتمال حلقته الدراسية على أعداد من أبناء جربة ونفوسة تخرج منهم أعلام أمثال سليمان باشا الباروني وعمر العوام.

(4) تعاون رجال الأقطار الثلاثة في تبادل الثقافة واستنساخ المخطوطات والتعاون على نشر الكتب العلمية

والدينية» (1).

هذا ولا يخفى على السادة المحترمين ما لهذه الحركة التعاونية من أثر كبير ولو كانت علمية ثقافية بالدراجة الأولى – على

1

الناحية الاجتماعية والفكرية من نقل العادات والاقتباس من التقاليد وغيرها من مظاهر النشاط في الحياة فلدينا في مزاب أسر تنتمي إلى جربة وأصلها الأول جاء منها كأسرة آل الفخار في غرداية وقد جلبوا معهم صناعة الفخار وانتشرت في مزاب، وأسرة آل متياز وآل ازيار في بني يزقي وآل الحاج عيسى في العطف وفي مظاهر الزينة والملابس التقليدية في الأفراح صور

(1) انظر الرسالة في كتاب الأباضية في موكب التاريخ - الجزائر - ص 250

(2) عقيدة العزابة لعمرو بن جميع. (1) الإباضية في موكب التاريخ - الجزائر - ص 260

مقتبسة من جربة كأنواع من الحلي الذهبية معروفة «شاركة» وطراز من الألبسة الصوفية نقول لها باللسان المحلي «تجربت» أي الجريبة تلبس في مناسبات معينة، وغير ذلك كثير. وبعد فاني أرجو أن أكون قد أفدت السادة المجتمعين بهذه اللمحة وأبرزت الخطوط الهامة من العلاقات التي سادت المنطقتين خلال عشرة قرون. يبدو منها أن الفترة الأخيرة من تلك القرون أخذت بالنصيب الأوفر هذه العلاقات، وهي القرون الأربعة الأخيرة، وذلك يعود الى أسباب لا يتسع المقام لذكرها، وإلا فالعلاقة بين القطرين لم تنقطع عبر هذه الحقب

الطويلة.

ولا يسعنى إلا أن أسجل هذه الظاهرة الهامة بين مجتمعين صغيرين من المجتمعات الاسلامية، تجلى فيهما سمات التفاني والتضحية والمساعدة. لأجل خدمة الاسلام ونشر الفضيلة والدعوة الى المثل الانسانية والعمل لها من الخير والمحبة ونشر الاسلام، ومحاربة الجهل والفساد، مجتمعان صغيران متباعدان أبت فيهما همم الرجال وفعالية المثل العليا إلّا أن يصمدوا ويتآزروا رغم الضعف وقلة الامكانيات وليت المجتمعات الاسلامية أخذت منهما العبرة فلم تستسلم للغزو والضياع. وآخر كلمة أقولها: تحية حارة وشكر خالص للجامعة التونسية وكلية العلوم الانسانية فيها، التي كانت السبب في هذا اللقاء، والداعية اليه، وقد بذلت وضحت وفتح رجالها صدورهم لهذه الأفكار التي لا شك أنها ستساهم في وحدة الأمة الاسلامية وبعث عظمة تاريخها وإنارة السبيل أمام مستقبلها.

وفقنا الله لما فيه خير الاسلام وخير الانسانية عامة. مراجع البحث

الاباضية في موكب التاريخ (الحلقة 4) الأباضية بالجريد

رسالة تاريخ بعض مشائخ جربة (مخطوط) رحلة الشيخ أطفيش الى جربة (مخطوط) تلامذة الشيخ أطفيش من جربة (مخطوط) طبقات المشائخ بالمغرب ج 2 مجموع رسائل الشيخ الحاج ابراهيم بحمان (مخطوط) مجموع وثائق مجلس عمي سعيد (مخطوط) نظام العزابة عند الاباضية الوهبية بجربة

كتاب السير (مطبوع) مزاب 21 جمادى الأولى 1402 هـ 15 مارس 1982 م

علي يحي معمر صالح باجية

الشيخ سالم بن يعقوب الشيخ سالم بن يعقوب

الشيخ سالم بن يعقوب أحمد بن سعيد الدرجيني

فرحات الجعبيري أبي العباس أحمد الشماخي 17 16