أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ١١—
الواحد بين المجتمعين من التفاهم والتعاون ونوعية السلوك ما يفتح السبيل لذلك، وييسر الجوار والمصاهرة والمواطنة وغير ذلك من مظاهر النشاط الاجتماعي. وأجدني وقد أشرت إلى هذا السبب الأول الذي أراه هو محور هذه العلاقة - قلت أجدني مضطرا أن أبين بايجاز واختصار من هم هؤلاء الأباضية وما الذي يحدد مذهبهم، ويميزه ولا أظنكم - أيها السادة الاجلاء ترون ذلك مني خروجا عن الموضوع، فهذا الملتقى خصص لتاريخ جربة ثقافيا واجتماعيا ومذهبيا واقتصاديا عبر العصور، هذا من جانب، ومن جانب ثان أرى الكثير من العلماء والباحثين لهم نظرة مضيبة غير واضحة عن المذهب الاباضي. والبعض لا يعرف عنه إلّا ما ذكره المؤرخون وكتاب الفرق الاسلامية من أوصاف وأحكام أقل ما يقال فيها أنها ينقصها التحري وأمانة النقل، فمن الأنسب ونحن بصدد الحديث عن جربة أن نضبط نوعية المذهب الاسلامي الذي ينتمي سكانها. اليه كثير من تنسب الإباضية الى عبد الله بن اباض التميمي أحد أيمة هذا المذهب والمناقضين عنه، عاش في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وإمام المذهب الذي استقرت على يده نظرياته ومبادؤه هو التابعي المحدث أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي العماني البصري المتوفى سنة 96 هجري، ومن بعده تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى في بني تميم المتوفى في مطلع
الله
1
النصف الثاني من القرن الثاني - رحمهم وأهم المبادئ التي تدور حولها توجيهات ونظريات المذهب الاباضي ما يلي:
1 ـ الاعتماد على الكتاب والسنة والاجماع والاجتهاد والقياس، وهو ما اتفق عليه أيمة المذاهب الاسلامية المعتبرة. 2 - الخلافة الاسلامية تكون بالشروق واتفاق صلحاء المسلمين ولا يدخل فيها اعتبار النسب أو القرشية أو غيرها، والمدار على الكفاءة والنزاهة وان انحرف خليفة المسلمين وعجز عن القيام بمهمة الخلافة فلا مناص من عزله والخروج عن طاعته، وهذا هو المنطلق الأول للمذهب الاباضي ولذا يحلو لكثير من المؤرخين أن يعدوهم من الخوارج، ولا يجمعهم بالخوارج إلا هذا المبدأ الهام.
3 - ان الاسلام قول واعتقاد، وعمل وسلوك، فالمسلم حقا هو الذي جمع بينهما. والذي أتى بالاعتقاد والقول وقصر عن العمل والتطبيق مذنب عاص ناقص الايمان وتبقى له مع ذلك حرمة الاسلام.
4 - الولاية والبراءة، أو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجمل القول في هذا المبدأ: على المسلم أن يتولى ويحب ويناصر من ظهر منه الوفاء بدين الله والعمل بالاسلام، فلا يقف موقفا سلبيا منه لا يهمه صلاحه ولا يؤيده على فعل الخير. والعكس كذلك عليه أن يتبرأ من العاصي المنافق الذي يخل بالعمل بما يأمر به الاسلام، ولا يقف موقف المتفرج، فعليه ينهاه عن منكره وأن يحاول ردعه ما استطاع، وأن يكره فعله ويستنكره ولو بقلبه، ولا يكون معذورا عند الله ان لم يفعل
ذلك.
وما عدا هذه المحاور الاربع، لا يعدو أن يكون مما هو من البحث النظري الفلسفي البحث كأسماء الله وصفاته هل هي ذاته أو شيء خارج عنه؟ والوعد والوعيد والخلود فيهما - ورؤية الباري في الآخرة، والعدل في حقه تعالى وغير ذلك مما ليست له علاقة كبيرة بالحياة العملية وسلوك الفرد. نعود إلى موضوعنا من الحديث عن الأسباب الداعية لتلك الروابط والعلاقة بين جربة ومزاب.
ذلك هو السبب الأول.
-
ثانيا: الظروف الاجتماعية والبيئة.
ان بيئة مزاب وبيئة جربة قريبتان ان لم تكونا متشابهتين جربة جزيرة منعزلة تكاد تكون فقيرة لولا شيء من الثروة السمكية والزراعة بجوار أهلها هنا وهناك إخوان لهم مسلمون ولكنهم يضايقونهم بتصرفاتهم التي لا تتسم في كثير منها بالعدل والأخذ بالحق. فتركت رسوبات في أنفسهم جعلتهم يتسمون بالحذر، ويتشبثون بالمذهب الذي اختاروه، والمزابيون لهم نفس الظروف، بلدهم جزيرة في وسط الرمال أرض غير ذات زرع، يجدون ممن يجاورهم نفس ما يجده أهل جربة من رسوبات تلك الحقب المظلمة التي أضعفت المسلمين وجعلت بأسهم بينهم شديدا. فيشمل أجيالا تلو الأجيال. وكل عامل من العاملين كفيل أن يفتح بين المجموعتين آفاقا واسعة من التعاون والروابط الاجتماعية ما يبقى أمدا بعيدا
الله
الله يعني
مؤسس نظام العزابة هو أول من سن سنة التعاون والتآزر بين مجتمعات الإباضية لا يستطيع المتحدث عن تاريخ الاباضية في شمال افريقيا أن يغفل عن نظام العزابة وأثره وما له من فضل في جمع كلمتهم، وحفظ كيانهم الاجتماعي من الزيغ والابتعاد عن نهج الاسلام، وهو الحافز القوي على تكوين حركة دؤوب يتجلى فيها سمات التعاون والتآزر والتوجيه بين تلك المجتمعات ولقد أنشأه مؤسسه رحمه الشيخ الامام محمد بن بكر الفرسطائي الريغي مستقرا ووفاته سنة 440 هـ - 1048 م ليحفظ كيان هذا المجتمع، ويقوم بمهمة التوجيه والاصلاح، يتماشى مع حالة الكتمان، نظام يشمل النواحي الاجتماعية دون أن يمس بالجانب السياسي تاركا هذا الجانب لمن يتولى شؤون السياسة أو يتغلب عليها. فعاشت الاباضية في هذه الأمكنة دون أن يكونوا نظاما سياسيا أو يدعوا الى تكوينه» (1). يعنى بتكوين الطلاب من شتى والشيخ الامام محمد بن بكر لم يخص بعنايته وبنظامه هذا بلدا معينا فقد كان رحمه الجهات، ثم يرسلهم الى مواطنهم لتأسيس حلقات العزابة ومشاركتهم فيها بأنفسهم. ولا ينسى فضل جربة في هذا الموضوع فقد كان عالمها المجاهد العامل الشيخ فصيل بن أبي مور المتوفى سنة 440 تقريبا أول المتحمسين له والملحين على ابرازه الى الوجود، وذلك عندما بعث ابنيه زكريا ويونس وابن أخته من جربه الى أبي عبد الله محمد بن بكر وهو في بلاد الجريد يوصيهم بملازمته وأن يلحوا عليه أن يسنّ نظاما يتماشى وحالة الكتمان. … فهذا سبب قعوده للحلقة المباركة الصادرة عن أكرم مشاركة بين الشجرتين الطيبتين المسورية والبكرية، بخطبة واجابة كانتا في الله» (2). وبفضل هذا الشيخ وجهوده في استدراج بقايا الواصلية في مزاب بالحجة واللين فردهم الى الاباضية الوهبية وأدى وظيفة التدريس على أحسن وجه وبفضل المشائخ من رجال الاباضية الوافدين على مزاب من جربة وغيرها حافظ المذهب على كيانه بفضل نظام العزابة الى عصرنا هذا (3) فهذه أول علاقة حصلت بين جربة ومزاب.
صور عن التعاون والعلاقات الأخوية بين جربة ومزاب يستطيع المتتبع لمظاهر العلاقات الأخوية بين البلدين عبر هذه الفترة الطويلة من الزمن أن يصنفها ويجملها في ثلاثة محاور: بعثات الطلبة من جربة والى جربة، انتقال العلماء ضمنها الى مزاب والعكس تبادل الزيارات والوفود. أولا: انتقال الطلبة وسعيهم وراء الاستفادة والأخذ عن أي عالم يظهر في جربة أو مزاب، أما رغبة في الاستزادة واحاطة بقدر ممكن من المعرفة وأما لأن أوطانهم لا يتوفر فيها من العلماء ومن يتفرغ للتعليم مثل ما يتوفر في الوطن المنتقل إليه، وغالبا ما يكون ذلك بعد أن يؤم الطالب حواضر العلم في شمال افريقيا ويكرع منها، خاصة القيروان وتونس العاصمة. فيجد هذا الامكانيات ما يعينه ويشجعه على قضاء فترة في الأخذ والاستزادة فمساجد مزاب تبنى بجانبها بيوتات تكون مأوى للطلبة الوافدين من القطرين ولها من الأوقاف ما يعين أولئك الطلبة ويدفع عنهم العوز، وقل مثل ذلك في جربة ومساجدها كالمسجد الكبير في حرمة الحسان ومسجد واد الزبيب وغيرهما.
الطالب من
نذكر على سبيل المثال الشيخ الشهيد أبا سليمان داود بن ابراهيم التلاتي استشهد سنة 967 هـ فقد قصد الشيخ أبا مهدي عيسى بن اسماعيل المصعبي المليكي نسبة الى مليكة قرية بمزاب وقد تتلمذ الشيخ أبو مهدي المصعبي على الشيخ أبي سعيد الجربي المعروف بالشيخ عمي سعيد. والشيخ يحي بن صالح الأفضلي من مزاب من بني يزقن أخذ العلم عن الشيخ أمحمد بن يوسف بن محمد المصعبي
الذي استقر بجربة.
وأخيرا تلاميذ الشيخ أطفيش رحمه الله في مزاب من جربة رمضان بن يحي الليني، والشيخ سعيد بن علي بن تعاريت، والشيخ رمضان بن مرزوق والشيخ أمحمد بن الحاج يوسف بن سعيد.
(1) الأباضية في موكب التاريخ 255 (2) طبقات الدرجيني ص 132، ج 1
(3) نظام العزابة في جربة ص 40
15
14