أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ١٥

جهاد جربة في الحروب الصليبية وانتصار صلاح الدين في القدس على أيديهم. وقبل أن أتطرق إلى صلب الموضوع أشيد بعلاقة الدولة الموحدية بجربة وأنتم تعلمون أن الدولة الموحدية أكبر دولة اسلامية في القرن السادس فقد استولت على الأندلس والمغرب والجزائر وتونس وليبيا إلى حدود مصر. وصلة الموحدين بجربة عظيمة من الناحيتين حيث أنها بربرية زناتية كأهل جربة وانها اباضية المذهب كأهل جربة ولهذا كانت الصلة بينهما قوية وقد قاموا بنصر الاسلام ولهم مواقف مشرفة في الحروب الصليبية.

وذلك أن الافرنج قد ملكوا سواحل الشام منذ تسعين سنة وملكوا معها بيت المقدس شرفه الله. فلما استولى السلطان صلاح الدين رحمه الله على ديار مصر والشام واعتزم على جهادهم وصار يفتتح حصونهم واحدا بعد واحد حتى أتى على جميعها وافتتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وهدم الكنيسة التي بنواحيه وانقضت أمم النصرانية من كل جهة وتابعت أساطيلهم بالمد من كل ناحية تلك الثغور القريبة من بيت المقدس واعترضوا أسطول صلاح الدين في البحر ولم تقاومهم لضعفها يومئذ فبعث صلاح الدين بصريخه إلى أبي يعقوب المنصور الموحدي سنة ست وثمانين وخمسمائة يطلب

اعانته بالاساطيل وأوفد عليه أبا الحارث عبد الرحمن بن منفد من بيت ملوك بعض حصون الشام وكان صلاح الدين قد ملكها من أيديهم وأبقى عليهم في دولته فبعث صلاح الدين عبد الرحمن هذا الى أبي يعقوب المنصور طالبا مدد الأساطيل لتحول في البحر وتحول أساطيله دون امداد النصرانية بالشام وبعث معه الى المنصور بهدية تشتمل على مصحفين كريمين ومائة درهم من ذهب البلسان وعشرين رطلا من العود وستمائة مثقال من المسك والعنبر وخمسين قوسا عربية بأوتارها وعشرين من النصول الهندية وسروج، عدة، فوصل إلى المغرب وأدى الرسالة وقدم الهدية. وكان عنوان الكتاب الذي بعث به صلاح الدين:

من صلاح الدين إلى أمير المسلمين وفي أوله الفقير الى الله تعالى يوسف بن أيوب. وبعد:

الحمد لله الذي استعمل على الملة الحنيفية من استعمر الأرض وأغنى من أهلها من سأله القرض وأجرى من أجرى على يديه النافلة والفرض وزين سماء الله بدراري الذراري التي بعضها من بعض. وهو كتاب طويل.

ولما وقف عليه المنصور جهز له مائة وثمانين أسطولا ومنع النصارى من سواحل الشام وكان ابن منفذ رسول صلاح الدين تقدم للمنصور بقصيدة فيها أربعون بيتا نورد بعضا منها:

سأشكر بحرا ذا عباب قطعت الى معدن التقوى الى كعبة الندى

الى بحر جود ما لآخراه سا?

الى من سمت بالذكر

ـــل الأوائل يك أمير المؤم ـــــــــــنين لم تزل الى بابك المأمول تزجى الرواحل قطعت إليك البر والبحر موفقا بأن نداك الغمر بالنجح فلا زلت للعلياء والجود باني غك الآمال ما أنت

تبل

بدأت عناية الموحدين بانشاء الأساطيل في عهد عبد المؤمن حتى بلغ عددها أربعمائة قطعة وزعها على مواني مملكته بالاندلس والمغرب والجزائر وتونس وكان أهم الموانئ سبته وقادس والمهدية وباديس ووهران وطنجة وعنابة.

قيادة الأساطيل البحرية في عهد الموحدين بيد أبناء جربة

يقول ابن خلدون في مقدمته بأن أساطيل المسلمين انتهت في عهد أبي يعقوب ما لم تبلغه من قبل ولا من بعد من حيث الكسوة وجودة الصناعة. وكانت قيادة أساطيل الموحدين ضد الحروب الصليبية تحت أمير البحر أحمد الصقلي من أباضية جربة من صدغيان. وكان من أمراء البحر في عهد الموحدين كذلك محمد بن بعطوش من صدغيان من جربة كذلك، وبهما انتصر صلاح الدين الأيوبي كما تقدم وكانت أساطيل الموحدين موزعة كما ذكره ابن خلدون (?) في طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية الخ …

(1) المقدمة ص 452

ويقول ابن خلدون لما استفحلت دولة الموحدين في المائة السادسة وملكوا العروتين أقاموا خطة هذا الأسطول على أتم ما عرف وأعظم ما عهد وكان قائد أسطولهم أحمد الصقلي أصله من صدغيان من سدويكش من جزيرة جربة أسره النصارى من سواحلها وربي عندهم واستخلصه صاحب صقلية واستكفاه ثم هلك وولي ابنه فاسخطه ببعض النزعات وخشي على نفسه ولحق بتونس ونزل عند شيخ بها من بني عبد المؤمن وأجاز إلى مراكش فتلقاه الخليفة يوسف بن عبد المؤمن بالمبرة والكرامة وأجزل الصلة وقال له عندي اطلاع واسع على ما في البحر ولا يمكن أن يصطاد أحد سمكة صغيرة بدون أن أطلع عليه لأنه كان يعمل في البحرية بصقلية فقلده أمر أساطيله فجلي في جهاد أمم النصرانية وكانت له آثار وأخبار ومقامات مذكورة في دولة الموحدين وانتهت أساطيل المسلمين على عهده في الكثرة والاستجادة الى ما لم تبلغه من قبل ولا من بعد

فيما عهدناه.

ولما قام صلاح الدين يوسف بن أيوب ملك مصر والشام لعهده باسترجاع ثغور الشام من أيد الأمم النصرانية وتطهير بيت المقدس تتابعت أساطيلهم بالمد لتلك الثغور من كل ناحية قريبة لبيت المقدس الذي كانوا قد استولوا عليه فأمدوهم بالعدد والأقوات. وقد ضعف المسلمون عن مقاومتهم منذ زمن طويل (2). ولما جاءت نجدة أبي يعقوب المنصور الموحدي تحت الصقلي وابن بعطوش وكلاهما من صدغيان من جربة. وصدوا جميع قوى الصليبيين القادمة من أوروبا عن ثغور قيادة أحمد الشام وقضوا على كل محاولة منهم. جاء امبراطور انكليترة قلب الأسد كوردو (ليون وقد جاء ليسجد للصليب الذي كان معلقا في صومعة بيت المقدس نحو تسعين عاما فلما رأى تلك القوة وهجوم صلاح الدين على بيت المقدس حاول الفرار فلم يتمكن من ذلك للقوة الراسية في البحر فرضخ لصلاح الدين بدون مقاومة.

علاقة علماء جربة بواد مزاب في نشر علوم الشريعة الإسلامية

العلامة

هذا موضوع واسع جدا اقتصر فيه على نبذة وجيزة كعنوان أفتح به الباب لمن أراد أن يتوسع في البحث عنه. فمن علماء مزاب الذين تلقوا العلم في جربة قال الشيخ أبو اليقظان رحمه الله في كتابه ملحق السير، ومنهم الشيخ يوسف بن محمد المصعبي المليكي من آل ويرو في مليكة. أخذ العلم عن الشيخ سعيد بن يحي الجادوي كما أخذ عن الشيخ سليمان بن محمد الباروني وعن الشيخ عمر الويراني الشدويكشي وإليه أسند نسب الدين عند أهل وادي ميزاب المتأخرين. وكفى به شرفا أن تخرج على يديه تلميذه الشيخ أبو زكرياء يحي بن صالح الذي أحيا وادي ميزاب كما يأتي

قريبا ان شاء الله. وله تأليف كثيرة جزيلة النفع عظيمة الفائدة منها: حاشية ضخمة في جزئين على تفسير الجلالين. ومنها: حاشية على كتاب الفرائض للشيخ اسماعيل الجيطالي. ومنها: رسالة محكمة في الرد على من حكم برد شهادة الاباضية من المتنطعين. أبرز فيها تفوقه العلمي وغزارة مادته ومنها: رسالة في تنجيس أبوال الحيوانات، رد فيها على من زعم طهارتها. ومنها: مجموعة أجوبة مفيدة عن أسئلة لو جمعت كلها لكانت كتابا ضخما ومنها: غير ذلك.

وكان يعظ الأمراء والحكام ولا تأخذه في الله لومة لائم، وله في نفوسهم مكانة رفيعة ومنزلة سامية يتحامون جانبه إجلالا لعلمه وقدره وفضله وكانوا يزورونه في مواسيم الأعياد. وكان يتعلم عنده كثير من تلامذة اخواننا المالكية وتوفي رحمه الله في صفر ضحوة الأحد عام 1187. ولما توفي قال عنه أحد علماء المالكية بجربة: لا يفرح لموت عالم. وكان بينه وبين أبي ستة المحشي قرن كامل اذ توفي أبو ستة سنة 1087 هـ والشيخ يوسف سنة 1187 هـ وهما مجددان لمعالم الاسلام رحمهما الله ولترجمته بسطة حافلة تركناها خوف التطويل. وقد أضاف الشيخ أبو اليقظان حفظه الله ورعاه الى ترجمة العلامة أبي يعقوب ترجمة ولده العلامة أبي عبد الله محمد

فقال: 21

(2) المقدمة ص 352.

20