أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ٢٨

الأوامر الكريمة وأسع لاستمالتهم الى جانبك وأحرس ليلا ونهارا الأماكن الساحلية من أن يصلها أذى الكفار .. » (21). وقد أرسلت مناشير الى مشائخ وعلماء طرابلس، وجربة، ومع تلك الرسائل أرسلت خلع سلطانية الى المشائخ المذكورين لمزيد من التكريم.

وخلال فصل الشتاء تمت الاستعدادات العثمانية، وكتب السلطان الى كافة الأمصار، والحاكم تونس الحفصي أيضا المتعاون مع الأسبان، بأن يقدم العون الى درغوث باشا، وقد أسندت القيادة العامة للأسطول الذي قدرت قواته بـ 120 سفينة،

لبيالة باشا.

وقد أبحر الأسطول الى جزيرة جربة التي وصلها يوم 15 شعبان 967 هـ (14) مايو 1560 م) واشتبك مع العدو في معركة استمرت ثلاثة أيام تكبد فيها العدو خسائر كبيرة في سفنه واضطر الى الاحتماء بالقلعة وفي 20 شعبان (19) مايو) وصل درغوث باشا، الذي لم يشترك في المعركة الأولى، وتباحث مع بيالة باشا في الحركات الحربية المقبلة، وكيفية انزال الجنود الى البر وانزال الهزيمة التامة بالعدو، وبدأت اجراءات التضييق على العدو واحكام الحصار في البحر، وبعد فترة دامت حوالي أربعة أشهر تمكن العثمانيون من هزيمة الأعداء، وتمكنوا من دخول القلعة عنوة، وقد بلغ عدد الأسرى أربعة آلاف، أما خسائر العدو في السفن والأرواح، فقد كانت فادحة جدا (22). ومنذ ذلك التاريخ خضعت جربة للعثمانيين بصورة نهائية وأصبحت جزءا من المناطق التابعة لأيالة طرابلس.

وقد ولى درغوث على الجزيرة الشيخ موسى بن جلود وهو أول المشائخ الجلوديين الذين حكموا الجزيرة بعد

السمومنيين (23).

ويذكر محمد بوراس مجموعة من الروايات والأحداث في العلاقات بين طرابلس وجربة بعد وفاة الشيخ مسعود السمومني وتعيين موسى بن جلود، منها أن الشيخ عمر بن موسى بن جلود الذي خلف أباه سنة 1007 هـ (1598 ـ 1599 م) قد سافر الى طرابلس باذن من درغوث باشا وأنه في فترة غيابه قام أهل الجزيرة بانقلاب أبيض ضده وعزلوه، وولوا مكانه عبد الله بن الحاج يونس البرجي … الخ (24). ومن المعروف أن درغوث باشا قد استشهد في حصار مالطة سنة 1565 مما يثير الشك في صحة روايات بوراس، ويظهر الحاجة الى ضرورة تمحيص هذه الروايات وتدقيقها والأحداث بحاجة الى المزيد من التفصيلات والمقارنات. هي طرابلس

ان المصادر التي بين أيدينا تفتقر الى كثير من المعلومات حول العلاقات بين طرابلس وجربة في النصف الثاني من القرن السادس عشر خاصة بعد اتمام السيطرة العثمانية على تونس سنة 1574 م، وتحويلها الى أيالة عثمانية، ولكنها تشير الى أن جربة أيالة طرابلس. فعندما أتم الأتراك العثمانيون سيطرتهم على شمالي افريقيا، أقاموا به ثلاث أيالات تونس والجزائر، وتتبع السلطان عن طريق كابودان باشا، ولم تكن رقعة هذه الأيالات أو الأوجاق محددة تحديدا دقيقا، فأوجاق طرابلس مثلا كانت حدوده الغربية تمتد حتى قابس وصفاقس وجزيرة جربة (25).

ظلت تتبع

كما تشير الدلائل على أنه حتى سنة 985 هـ (1577 م) كانت طرابلس وتونس يديرهما في بعض الأحيان وال واحد، وفي بعض الأحيان يكون لوالي الجزائر الاشراف على الأيالات الثلاث. وكانت تشترك في كثير من الأعمال الجماعية أو التي تطلبها الحكومة العثمانية، كالمساهمة في الحروب التي يخوضها الأسطول العثماني ضد السفن المسيحية المعادية، كالاشتراك في معركة لابانتو سنة 1571 م، كما وأن طرابلس قد اشتركت في حملة احتلال تونس سنة 261574). غير أن أيالتي طرابلس وتونس، مرتا خلال العقدين الأخيرين من القرن السادس عشر والعقد الأول من القرن السابع عشر بفترة من الاضطرابات المتواصلة بسبب انتشار الفوضى في الأوساط الانكشارية وتوليهم زمام الأمور، وزيادة تعدياتهم على المواطنين، وعدم احترام السلطة والقانون. وقد عبر عن فوضى الانكشارية في طرابلس المؤرخ الطرابلسي، ابن غلبون بقوله: «وتغلب الجند على أمر

(21) عزيز سامح، ص 62 - 69 برنيا ص 76 (22) نفس المصدر، ص 69 - 76.

(23) محمد أبوراس الجربي، ص 114، وقارن مع روسي ص 186 الذي اعتمد على رواية كان الذي يذكر أن درغوث استولى على الجزيرة سنة 1556، وترك على قيادتها أولوج على (علج على وثبت في مشيختها الشيخ موسى بن جلود أخ عثمان بن جلود، وهو من المخلصين له الحائزين على ثقته ونقل معه الشيخ سليمان الذي أعدمه بعد ذلك.

(24) نفس المصدر، ص 115 116 (25) عزيز سامح، ص 54 – 86 – روسي، ص 217 – 268. (26) نفس المصدر.

البلد، فلم يكن لواليها من قبل السلطان، تصرف واضطرب أمرها وفسد نظام الملك وكثر الهرج في الرعية» (27). وقد انعكس

تردي الأحوال في انتشار رقعة الثورة بين سكان الدواخل بسبب ظلم وتعسف الأتراك وبسبب الأساليب القاسية التي كان يتبعها الجنود في تحصيل الضرائب فالفرق المناط بها جمع الضرائب كانت تحتفظ بالجزء الأكبر منها لحسابها الخاص وتستعمل وسائل جائرة في تقديرها وتحصيلها مما أجبر الكثير من سكان جزيرة جربة في عهد الوالي جعفر باشا الذي يعتبر عهده بداية فترة الفوضى والاضطرابات الى هجر جزيرتهم، وتشتتوا في مختلف البقاع هربا من جوره وتعسفه وثار أهالي طرابلس بسبب الضرائب العالية. وقد أجبرت هذه الثورات جعفر باشا الى تخفيض الضرائب بواقع النصف (28). وقد أورد عزيز سامح عدة تقييدات من سجل مهام الديوان الملكي وسجل الديوان الهمايوني بما يفيد باستسلام هذه الشكاوي وتوجيه تعليمات الى أمير الأمراء في طرابلس وتونس باصلاح هذه التجاوزات واحقاق الحق وانصاف المظلومين (29) وفي نطاق هذه الاصلاحات تم عزل جعفر باشا، وتكوين لجنة من أمير أمراء طرابلس الجديد وقاضي طرابلس وجربة للتحقيق في هذه الشكاوي وارجاع الأموال المغتصبة الى أربابها. وقد جاء في أمر تكليف اللجنة المذكورة: بلغني أن بعض القواد حرضوا أمير أمراء طرابلس السابق (جعفر باشا) فظلم واعتدى على الشخصين المدعوين الحجاجي وسيدي علي الشريف من أعيان البلاد وصادر أموالهما، كما أن القواد المدعوين بن عيسى قائد جربة وعلي قائد صفاقس وحسن قائد قابس وسنان قائد الجبل الأبيض يغتصبون أموال المسلمين بدون حق، وأن أمير الأمراء المشار إليه لم يتبع الطريق القويم في تعيين آغاوات الانكشاريين ونوابهم واختلت شئون مماليكي المذكورين. وبما أني غير راض عن ظلم رعاياي فيجب ارجاع ما اغتصبه أمير الأمراء والقواد لأربابه والاهتمام بتنظيم شئون عسكري» (30).

ومنع ذلك لم

بيد أن تعليمات السلطان لم تجد من ينفذها، وازاء تعسف واستغلال الانكشارية للفئات الاجتماعية الفقيرة التي تشكل أنه الفئة الغالبة في المجتمع، الذين حرموا جزءا من أراضيهم ومساكنهم وجدت دعوة يحي بن يحيي السويدي، الذي ادعى المهدي المنتظر، وأعلن الثورة ضد السلطة التركية في طرابلس في سنة 1588/ 1587 م، استجابة واسعة في أوساط الجماهير الشعبية التي كانت تتطلع للخلاص من الأوضاع التي تعاني منها واتسعت رقعة ثورته لتشمل جميع أرجاء الأيالة حتى كادت تعصف بالوجود التركي بطرابلس، فقد حاصرت قوات الثورة طرابلس لمدة تزيد على العام ولكن دون أن تتمكن من احتلال المدينة لأن المدينة كانت تعتمد في تموينها على جربة. وقد ترك يحيى بن يحيى قواته تحاصر طرابلس واتجه الى جربة في امدادات التموين التي تأتي عن طريقها لطرابلس، بيد أنه يبدو أنه فشل في تحقيق هدفه. ومع محاولة لاحتلالها تستطع الدولة العثمانية القضاء على الثورة، إلّا بعد أن جندت قوات طرابلس وتونس والجزائر واستعانت بالأسطول العثماني في البحر المتوسط. وقد استمرت الثورة لمدة ثلاث سنوات (31). وبعد القضاء على ثورة يحيى بن يحيى السويدي سنة 1،590 م، يلف الغموض تاريخ طرابلس مرة أخرى، وتبخل المصادر التي بين أيدينا بمدنا بمعلومات وثيقة وأكيدة. وقد استخرج فيرو بعض أخبار هذه الفترة من تاريخ جربة. حيث أقام ابراهيم باشا (1595 – 1600 - 1600 م) مذبحة في تلك الجزيرة سنة 1598 م، وسلخ جلد عبد البرجي (32). ولعل فيرو يشير الى ما أورده محمد بوراس (33) من أنه في سنة 1007 هـ (1598 م) سافر شيخ الجزيرة عمر بن موسى الى طرابلس باذن من درغوث باشا (34) وأنه في أثناء غيابه اتفق أهل الجزيرة على عزله من المشيخة وولوا مكانه عبد الله

(1967) ص 101

الله الله بن

(27) ابن غلبون التذكار في من ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار، ط 2 تحقيق الطاهر أحمد الزاوي، طرابلس – ليبيا، مكتبة النور (28) روسي، ص 198 – 199. (29) عزيز سامح ص 86 - 106، وانظر أيضا للكاتب: حملة رمضان باي على غدامس سنة 1018 هـ 1609 م كما يصورها مخطوط غدامسي»، مجلة البحوث التاريخية، السنة الأولى، العدد الأول (يناير (1979) صفحة: 69 - 82.

(30) نفس المصدر.

(31) نفس المصدر، برنيا، ص 97 ولمعلومات اضافية أخرى حول ثورة يحيى بن يحيى، سويدان، انظر محمد الأسطي: وثورة يحيى بن يحيى السويدي أو سويدان مجلة البحوث التاريخية السنة الرابعة العدد الأول (يناير (1982). (32) شارل فيرو، ص 64 - 65 (33) محمد أبوراس الجربي، ص 115 – 116.

(34) راجع الهامش رقم 24 أغلاه.

47 46