أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ٢٧السواحل الشمالية للبحر المتوسط ويهدد سفن أسبانيا وسفن الدويلات الايطالية وانشغل شارل الخامس في مشاكل السياسة الأوروبية، ولم يعد قادرا على توفير الحماية لطرابلس، وجربة، فعمل على التخلص من طرابلس بأن تخلى عنها لفرسان للقديس يوحنا سنة 1530 م، التي اتخذت من مالطة مركزا لها، أما جزيرة جربة، فقد أصبحت مركزا لرياس البحر الأتراك، فقد اتخذ درغوث ريس من شواطئ الجزيرة ملجأ آمنا لسفنه يعصمها من هجمات الأسطول الأسباني، وظل محتفظا بها على الرغم من محاولة فريق من أهلها اخراجه منها. وقد كاد في إحدى المرات أن يقع أسيرا في يد الأسطول الأسباني عندما وصل أسطول العدو بقيادة أندري دوريا الى مرسى القنطرة وأطبق عليه الحصار في أبريل سنة 1551 بعد أن تمكن الأسبان من احتلال مدينة المهدية التي كان درغوث يتخذها قاعدة لشن غاراته على السفن والسواحل الأوروبية، خاصة سواحل ايطاليا، وكان درغوث بائنا في المرسى المذكور، وقد استطاع درغوث بسلسلة من المناورات والأعمال التمويهية الذكية أن يجيز سفنه من البر وأجازها للجانب الآخر الى عرض البحر دون أن يدري العدو بذلك. ونقل في ظلمة الليل المدافع والجنود التي كانت بالاستحكامات الى السفن وأقلع دون أن يترك سوى خيام بالية تغطى الاستحاكامات (1)، واتجه بأسطوله ناحية الشرق حتى وصل الى اسطنبول. وهناك قابل السلطان سليمان القانوني وشرح له ظروف أقطار شمال افريقيا محذرا من أن استمرار استيلاء أسبانيا على وهران وبجاية وتونس واحتلال طرابلس وجزيرة مالطة من قبل فرسان القديس يوحنا من أن يجعل السيادة للمسيحيين على سواحل افريقيا الشمالية، وأنه يخشى من امكانية تحالف يتم بين القوى المسيحية يجدد
شأنه
امكانية عودتهم الى الشرق واستعادة جزيرة رودس وجزرر اليونان وسواحل، فلسطين، ومن ثم يتوجهون برا الى مصر. وقد اقتنع السلطان بوجاهة هذه المبررات وأمر بتوجيه الأسطول بقيادة سنان باشا لينتزع مالطة من هيمنة الفرسان مع تفويض بالاستيلاء على طرابلس (12). وقد كان بالأسطول أيضا درغوث ريس، واستطاع الأسطول العثماني الاستيلاء على طرابلس في صيف 1551 م. وتم تعيين مراد آغا، القائد العثماني المقيم بتاجوراء منذ حوالي سنة 1535، واليا على البلاد. بتحصين مدينة طرابلس، احتياطا للغارات المتوقعة في المستقبل. وقد شملت اجراءاته الدفاعية جزيرة وقد اهتم مراد جربة. وكان لديه من المبررات ما يدفعه الى الشك في أن شيخ الجزيرة ما زال يحتفظ بعلاقات مع الأسبان عن طريق نائب الملك في صقلية، حيث كان يطلب منهم المساعدة ويعرض عليهم تسليم الجزيرة، وكان ينكر وجود مثل هذه العلاقة بينه وبين
الأسبان (13).
آغا
آغا
ويشير روسي الى أن الوثائق الأسبانية لذلك الوقت تذكر أن مراد آغا قد أمر في 29 مارس بقتل أحد قادة جربة المدعو ماتيرا (Matera)، وأن مراد يضع الخطط لمواجهة النفوذ الأسباني في تونس. ويبدو من الترجمة الأسبانية لرسائل مراد وسنان باشا قائد الأسطول العثماني الى سلطان تونس بتاريخ يونية 1552 أن الأتراك العثمانيين كانوا يفكرون في مهاجمة المهدية وحلق الوادي لطرد الأسبان، وقد ذكر مراد آغا لسلطان، تونس، بقرب وصول الأسطول الى المياه التونسية، وأنه تلقى الأوامر للحاق به والاستعداد لذلك، وجمع المؤن ووسائل النقل والأخشاب اللازمة لوقاية المدفعية وان نفس الأمر صدر الى
بيليربي الجزائر (14).
وقد حاول درغوث باشا الذي خلف مراد آغا في حكم أيالة طرابلس تأكيد السلطة العثمانية في جربة عن طريق ارسال حملة عسكرية الى هناك سنة 1558 م، استخدم فيها بعض الفرسان من قبائل زوارة وأولاد شبل والسبعة. وقد حاول أهل الجزيرة الاستعانة بأحمد بن حسن الحفصي لرد، الحملة، ولكنه لم يتمكن من تلبية طلبهم نظرا للمشاكل التي كان يعاني منها، مما مكن درغوث من هزيمة أهل الجزيرة والاستيلاء عليها. ويبدو أن درغوث باشا كان يحاول امتصاص نقمة أهل الجزيرة
(11) للمزيد من المعلومات عن حياة درغوث باشا ومحاولة أسره ونجاحه في فك الحصار، انظر: عزيز ساح: الأتراك العثمانيون في افريقيا الشمالية، ترجمة: عبد السلام أدهم - بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر (1969) ص 23 - 47 انظر أيضا: شارل فيرو ص 100 - 101. مصطفى خوجة تاريخ فزان حققه وقدم له وعلق عليه: حبيب وداعة الحسناوي طرابلس: مركز جهاد الليبيين
للدراسات التاريخية (1979) ص 41 - 42 برنيا: ص 43 - 48
(12) عزيز سامح، شارل فيرو، ص 100 – 103، برنيا، ص 48.
(13) روسي ص 183. (14) نفس المصدر، ص 184
ونزعتهم الى الاستقلال عندما عين عليهم مسعود السمومني، أحد أعيان الجزيرة (15). ولكن أهل جربة عاودوا الاتصال بسلطان تونس الحفصي وطلبوا منه مدهم بالعون والمساعدة. وعندما علم درغوث بهذه الاتصالات عاد في السنة التالية الى جزيرة جربة وقتل الجماعات المتزعمة لهذه الحركة ومنهم الشيخ داود، التلاتلي، وصادر، أموالهم واضطرت مجموعات أخرى أهل الجزيرة الى الهجرة خارجها، بعد أن عين درغوث عليها حاكما تركيا يتبعه مباشرة (16). بسم
لقد قام القائد التركي الجديد واسمه غازي مصطفى (بك بترميم برج حومة السوق واجراء اضافات فيه وقد سجل تاريخ الانتهاء من هذه الزيادات على لوحة رخامية، وقد جاء فيها: الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله. جدد هذا القشتيل المبارك بعد افتتاحه عن أمر مولانا السلطان أبي الفتوح سليمان خان بواسطة الباشا أبو المواهب در غوث عن يدي القائد المكرم غازي مصطفى بك سنة ثمانية وستين وتسع مائة» (1560/ 1559) م (17). لقد كان من نتائج معاهدة كاتو كامبرسيس (Cateau Cambresis بتاريخ 3 أبريل 1559 م والتي عقدت بين أسبانيا وفرنسا وانجلترا، أن وضعت حدا للصراع بين فرنسا وأسبانيا، وخلف شارل الخامس على الحكم فيليب الثاني، الذي وضع مسألة ايقاف التهديد العثماني في شمال افريقيا على رأس قائمة سياساته، وكان المرشد الأكبر لهيئة فرسان مالطة، يحثه باستمرار على استعادة طرابلس من العثمانيين. وهكذا تكونت حملة صليبية جديدة اشتركت فيها قوات من أسبانيا، جنوه البابوية، ومالطة وغيرهم، وتذكر بعض المصادر أن فرنسا المتحالفة مع الدولة العثمانية والبندقية التي تعهدت بالوقوف على الحياد قد اشتركتا في اقرار الحملة التي كانت تستهدف بالأساس استعادة مدينة طرابلس وكانت الخطة تقضي في حالة نجاح احتلال المدينة أن يترك بها أسطولا مالطة وصقلية، ليقوما بمنع السفن العثمانية من الوصول الى غرب المتوسط، مما يعزل الجزائر، ويسهل بالتالي استعادتها للصليبيين واخراجها من حوزة العثمانيين. ولكن أسطول العدو لم يتمكن من الانزال في طرابلس لأسباب تتعلق بالخلاف بين أطراف الحملة وللظروف المنخاية في البحر، فتوجهت الحملة لاحتلال جربة في فبراير 1560 م (18). وكان لدرغوث باشا في الجزيرة ستمائة مسلح ومائتا جندي، وبعض القوات المحلية انسحب هؤلاء للقلعة وأخذوا في مناوشة العدو، وازعاجه بغارات مفائجة كانوا يشنونها عليه بيد أن العدو تمكن من شن هجوم شامل في 8 مارس، استمر أربعة أيام، وانتهى بالاستيلاء على القلعة وتوقيع الصلح مع الشيخ مسعود صالح السمومني. وقد قام النصارى الغزاة بعد ذلك القلعة وأضافوا للتحصينات الموجودة فيها أربعة أبراج أخرى (19) وبعد الصلح بين السمومني والغزاة، بعث أهل الجزيرة بترميم الى الدولة العثمانية يشرحون ما حل بهم (20). بيد أن الأتراك العثمانيين الذين كانوا على علم بأخبار الحملة منذ السنة الأولى السابقة، قد بدأوا في تجهيز حملة كبيرة لاستعادة الجزيرة قبل أن يصل الوفد الجربي، فقد جاء في رسالة الى درغوث باشا مستخرجة من سجل الشئون الهامة الديوان الهمايوني منشورة في مجلة مجمع التاريخ العثماني عدد 2 ردا على رسالة كان درغوث قد بعث بها ويخبر فيها بتجميع الأساطيل المسيحية بهدف مهجامة مدينة طرابلس، يؤكد السلطان أن طرابلس شأنها شأن بقية الولايات العثمانية، وان حراستها والدفاع عنها تأتي في المراتب الأولى من الأهمية، وأنه قد جهز مراكب شبيهة بالكواكب وسقناها بأدوات القتال وبالعساكر لمنازلة الأعداء وبعثناها سراعا اليكم، وان شاء الله الأعز ستصلكم قريبا». ويذكر السلطان في رسالته أيضا: «قد كتبنا رسائل كريمة الى مشائخ عربان ولا يتكلم والى علمائها وأعيانها ليناصروكم ويظاهر وكم عندما يهاجم العدو تلك الولاية .. أن تبادر الى توحيد جهودك مع قبائل العرب ومشائخها ومع غيرهم من سكان البلاد ولتكونوا متفقين قلبا وقالبا، وبلغهم (15) نفس المصدر، محمد أبوراس الجربي، ص 112 - 113. شارل فيرو، ص 131. يذكر برنيا، ص 73 أن السبب في حملة درغوث على جربة هي رغبته في مد سيطرته على الجزيرة التي افتقدت من ولايته الى سيطرة ملك القيروان الذي يمثله في الجزيرة حاكم يسمى سليمان وقد أتم له ما أراد.
-
(16) محمد أبوراس الجربي ص،114، شارل فيرو، ص 113. (17) شارل فيرو، ص 131 - 132 ولمعلومات أوفى حول برج الغازي، مصطفى، أنظر: جميعة صيانة جزيرة جربة، برج الغازي مصطفى
مدنين، مطبعة الجنوب، (أكتوبر 1977).
(18) عزيز سامح ص 55 - 62 برنيا، ص 73 - 75.
(19) عزيز سامح ص 62 (20) محمد أبوراس الجربي، ص 115. 45 44