أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ٥

(1) الجذور الاجتماعية للنكارية

أن الدارس التاريخ النكاري يتعرض لعدّة صعوبات منهجية منها عدم وجود مصنفات نكارية وانحياز المصادر السنية والشيعية والوهبية وضآلة مادتها وكذلك اختلاف العوامل المفسرة لها في الفترة الأولى عن العوامل التي أحاطت بها عند

تحولها إلى جبل نفوسه وجربة.

والثابت أن يزيد بن فندين اليفرني تمكن في نهاية القرن الثاني هجري من تكوين حركة معارضة للرستميين أطلق عليها أنصار عبد الوهاب بن رستم تسميات عديدة معادية: النكار هم امامة عبد الوهاب والنكات لنكثهم بيعته والنجوية لاكثارهم الاجتماع والنجوى والشعبية نسبة إلى شعيب بن المعرّف، ومستاوة، ويبدو أنها مشتقة من قبيلة بربرية بهذا الاسم أما المعنيون بالأمر فقد تسمّوا بالمحبوبين وما زال هذا الاسم يطلق على احدى قرى جربة.

أما أنصار عبد الوهاب، فقد أطلق عليهم اسم الوهبية التي زعم ابن الصغير أنها مرتبطة باسم الامام عبد الوهاب، على أن كثيرا من علماء الإباضية ومن الدارسين المعاصرين يشكون في صحة هذه الرواية ويعتبرون أن هذه التسمية مرتبطة بزعيم الخوارج بالمشرق: عبد الله بن وهب الراسبي (1).

(788/ 171)

والحقيقة أن جذور هذه الحركة التي ظهرت في تاهرت منذ تولي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الامامة ترجع الى بداية تأسيس المدينة من قبل عبد الرحمن، ذلك أنه خلافة لما تورده المصنفات الإباضية من حصول اتفاق بين قبائل مداسة وصنهاجة المستضعفة وعبد الرحمن، يقع بموجبه تسليم هذه القبائل الارض لبناء المدينة مقابل أخذ الخراج على الأسواق (2)، خلافا لذلك فان الامام يبدو قد استعمل القوة لافتكاك هذه الأراضي واغتصابها، مما أدى إلى وقوع نزاع مسلح بين الاثنين، وكانوا يبنون النهار، فاذا جن الليل واصبحوا، وجدوا بنيانهم قد تهدم (3) ومنذ ذلك الفترة أصبح هذا الموضوع على حد قول عبد الرحمن نفسه لا يفارقه سفك دم ولا حرب أبدا» (4) مما يفسر هشاشة القواعد التي قامت عليها هذه الدولة المحاطة بالعديد من الأعداء المتربصين بها.

كما أن حركة النكار ارتبطت منذ البداية بالتحول الاقتصادي الهام الذي طرأ على معسكر» عبد الرحمن بن رستم، نتيجة انتعاش الفلاحة والتجارة الخارجية، خاصة من بلاد السودان (5) مما أدى إلى بروز أرستقراطية ناشئة بالمدينة، وقد كانت غير متجانسة اذ أنها مكونة في آن واحد من فرس وعرب وأندلسيين وبربر واثر موت عبد الرحمن بن رستم، انطلق الصراع من داخل هذه الطبقة ثم اتسعت أرجاؤه لاعتماد كل اتجاه على بقية القوى الاجتماعية وأصبح بذلك ذا شمولية كبرى تعدت المدينة واكتسحت الريف والقبائل البربرية.

لقد حرص عبد الرحمن قبل وفاته على تعيين مجلس للشورى على غرار جماعة الشورى التي اختارها عمر بن الخطاب. فكان أن اختار سبعة أشخاص مسعود الأندلسي وأبو قدامة يزيد بن فندين اليفرني وعمران بن مروان الأندلسي وأبو الموفق سعدوس بن عطية وشكر بن صالح الكتامي ومصعب بن بدمان وعبد الوهاب بن عبد الرحمن (6) والظاهر أن العامة والاكثين «مالوا في البداية إلى تولية مسعود الأندلسي لكن هذا الأخير أبى إلا أن يتنازل عن حقه في الامامة رغم الدعم المقدم إليه من قبل العامة. وبعد مفاوضات مع عبد الوهاب دامت شهرين كاملين يبدو أن مسعود استسلم أمام اغراءات هذا الأخير، وتحول من منافس له إلى مدافع عنه، فنادى بأن يكون عبد الوهاب إماما بلا قيد ولا شرط قائلا: «لا نعلم (1) انظر ابن الصغير تاريخ الأئمة الرستميين الجامعة التونسية، 1976 ص 9 عمار الطالبي الموجز لأبي عمار الكافيب الجزائر 1978،

ج، ص 30 Lewicki : Art. Nukkar. In Ency. de l'Islam، Supplément، p 185 - 186 Lewicki: les subdivisions de l'Ibadiyya، I،: S.I.، 1958، p. 73

(2) يذكر الشماخي أن الأرض التي بنيت فيها تاهرت هي ملك لمستضعفين من صنهاجة، ومداسة وقد راودهم عبد الرحمن على البيع فامتنعوا انظر: الشماخي: كتاب السير تحقيق محمد حسن الجامعة التونسية 1979 ونسخة مرقونة بالمكتبة الوطنية ج 1، ص 31. انظر ايضا: ياقوت: معجم البلدان، بيروت، 1957، ج 2، ص 9. (3) انظر: البكري: المسالك، ص 67.

(4) كذا في البرادي: الجوهر المنتقاة، ص 174 والشماخي: ن. م، ص 68. (5) الحبيب الحنجاني: تاهرت المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، 1975، ص 15 – 16. -

(6) انظر: أبو زكرياء: كتاب السيرة المجلة الافريقية (بالفرنسية 1960، ج 1 ص 133 الدرجيني طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق طلاي، قسنطينة،1974، ج 1، ص 16 الشماخي: ن م ص 30 الباروني: الازهار الرياضية، ج 2، ص 99.

شرطا في الامامة إلّا أن يحكم بيننا بكتاب الله وسنة نبيه وآثار الصالحين وهكذا علاوة على المفهوم الفقهي لقضية الشرط مثل مسعود إلى جانب عبد الوهاب الشق المتطرف من الارستقراطية الحاكمة، وأنكر كل نزعة ديمقراطية ونادى بالحكم المطلق فكان عبد الوهاب ملكا ضخما وسلطانا قاهرا وعلى يديه افترقت الأباضية» (7). وقد أفرز هذا الموقف المتصلب ظهور معارضة بقيادة ابن فندين، وقد كان مطلبها الأساسي هو اشتراطها على الامام الا يقطع أمرا دون مشورة جماعة من المسلمين معلومة (8)، أي أنها تطالب بمجلس استشاري على غرار مجلس أبيه عبد الرحمن كما أنها ترغب في اعطاء أولوية تولي الامامة لمن هو أعظم قال أبو عمار عبد الكافي في هذا الشأن: «وفي الامامة أيضا قال قائلون من أهل الشغب أن الامام اذا ولي أمر المسلمين وفيهم من هو أعلم منه أن امامته في زعمهم باطلة غير ثابتة … فقال أهل الشغب بهذا قد حامنهم في الامامة العادلة الرستمية وحيدا عن اجابتها والدخول في طاعتها وطعنا في الدين … » (9).

زمن الاضطرابات

ولا يمكن أن نصدق ما ذكرته الرواية من أن ابن فندين اليفرني بايع عبد الوهاب في البداية «لأن أمه يفرنية وطمع أن يؤثره على من سواه»، كما نستبعد أن يكون ابن فندين قد ثار لأسباب شخصية أي لعدم توليه أحد المناصب العليا (10). ويبدو عكس ذلك أن عبد الرحمان بن رستم كان قد حسب كل حساب لقبيلة بني يفرن التي تعتبر من أهم بطون زناتة. وقد كان موطنها الأصلي بجهة طرابلس ولم تتحول مجموعات منها إلى تلمسان وجبل أوراس الا السياسية التي «دوخت بلاد المغرب في نهاية القرن الأول وبداية الثاني هجري وتمكن أبو قرة اليفرني المغيلي من تأسيس دولة صقرية بتلمسان أصبحت مجاورة لتاهرت وتم ذلك بين سنتي 140 هـ و 148 هـ. (11) وسعي عبد الرحمان إلى كسب ثقة بني يفرن، فصاهرهم وتزوج من امرأة يفرينية قد تكون أميرة من اميرات تلمسان، وقد جاء هذا الزواج السياسي علي غرارزف أروى إبنة الامام الرستمي الى مدرار بن اليسع (12) كما حرص عبد الرحن على تعيين أحد اليفرنيين في مجلس

الشورى، وهو ابن فندين

لكن هذه الدبلوماسية لم تفلح ووقع المكروه من ابن فندين ذاته ومن نفس هذه القبيلة التي يبدو أنها تفرغت لمناصرة ابن فندين بعد موت أبي قرة واثر افتكاك تلمسان من طرف محمد بن خزرم بن صولات سنة 173 هـ (13) وقد عمر ابن فندين طويلا بعد هذه الأحداث ولم يتوف الا حوالي سنة 188 هـ / 804 م. كما ارتبطت حركة النكار بالأحوال الاجتماعية والسياسية الجديدة. ويمكن أن نوضح هذا الرأي بتتبع تطور هذه الحركة الاجتماعية التي نشأت في البداية في المدينة ثم تحولت الى «الجبال حيث كسبت أنصارا وكونت قواعد عسكرية وتسلحت قال الشماخي: «وأكثروا الدخول الى المدينة بالجماعات … ثم صاروا يدخلون المدينة بالسلاح» (14) واقتحمت الحركة في مرحلة ثالثة المدينة من جديد وحاولت كسب مواقع وقواعد فيها

(8)

(7) انظر: ابن الصغير: تاريخ الأئمة الرستميين بتاهرت، الجامعة التونسية 1976، ص 9. انظر: الشماخي، ن م ص 30 وكذا في أبي زكرياء: ن. م. ص 134 والدرجيني ج 1، ص 47. (9) انظر عمار الطالبي: الموجز لابن عبد الكافي الجزائر 1978، ج 2 ص 258 (10) انظر: محمود اسماعيل: الخوارج في بلاد المغرب الدار البيضاء، 1976، ص 57 والهامش رقم 324. (11) جاء في تاريخ ابن خلدون بيروت،1968، ج 7 ص (22 ما يلي: وبنو يفرن هؤلاء من شعوب زناتة، وأوسع بطونهم، وهم عند نسابة زنابة بنو يفرن بن يصلتين من مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الذيرت بن جانا، واخوته مغراوة وبنوير نان وبنو واسين والكل بنويصلتين ويفرن في لغة البربر الغار … وأما شعوبهم فكثير، ومن أشهرهم بنو واركوا ومرنجيصة. وكان بنو يفرن هؤلاء لعهد الفتح أكبر قبائل زناتة وأشدها شوكة وكان منهم بافريقية وجبل أوراس والمغرب والأوسط بطون وشعوب ثم انتقض بنو يفرن تلمسان ودعوا الى الخارجية

وبايعوا أبا قرة كبيرهم بالخلافة سنة 148 هـ. انظر أيضا:

Lewicki : Art. Band Ifran، In Encycl. de l'Islam. T. III، P.1065 - 1070. Bulliet: Botr et Baranes. In Annales E.S.C.، 1980; p. 104 - 114. (12) انظر: ابن خلدون ن م ج 6، ص 268.

(13) يبدو أن موت أبي قرة وقع سنة 155 هـ، تاريخ حملة يزيد بن حاتم علي الخوارجي قال ابن خلدون (ج)،7، ص 25). وتوغل يزيد بن حاتم في المغرب ونواحيه وانحنى في أهله إلى أن استكانوا واستقاموا ولم يكن لبني يفرن من بعدها انتفاض انظر أيضا مقال: بنو قران:

م. (بالفرنسية). (14) انظر: الشماخي: ن. م. ص 34 5