أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ٦يضعون فيها السلاح ويجتمعوا له (15) ولذا فقد ضمت الحركة فئات شعبية متنوعة وقد كان القاسم المشترك بينها هو معارضتها للضرائب الثقيلة التي تدفعها للرستميين (16) والاثراء الجديد لهؤلاء، وقد جاء على لسان عبد الوهاب نفسه ما يلي: «لو لم أكن أنا وابن جربي وابن زلغين لأغنينا بيت مال المسلمين لما علينا من الحقوق «الشرعية اذ كان الأول تاجرا كبيرا، له كثير من الذهب والفضة، والثاني مزارعا تبلغ زكاته في السنة الألف حمل من البر والشعير، أما الأخير فله ماشية تعد بمآت الألوف وقد ذكر له من الحمير وحدها 12.000 (17). وطبيعي أن ترغب هذه الفئات الفقيرة في التخلص من نفوذ أجنبى لا يعمل لصالحها، وكانت أن رفضت الخروج من المدينة واعتبرت أن الأرض أرضها قائلة: «هذه مدينتنا وتلك منازلنا». وهكذا فان هذه الحركة قد اكتست في آن واحد صبغة اجتماعية وليس الانشقاق المذهبي» الوارد في المصادر الاباضية سوى الستار الذي تكن وراءه حركة اجتماعية تتوفر فيها كل المكونات والظروف الموضوعية.
وقد احتوت التركيبة الاجتماعية للنكار على صغار الحرفيين بالمدينة والفلاحين بالريف وقد تطلب انضمام هذه القوى الاجتماعية الى حركة النكار عمل توعية واقتناع كبير: «فزينوا للضعفاء أمورا وزخرفوا لهم ما يحسبونهم به محقين فصاروا
ينتظرون الغرة والغفلة» (18).
وإلى جانب اعتماد هذه الحركة على ذكاء ابن فندين وبراعته فانها التجأت الى اباضية المشرق للتحكيم، وهو دليل في حد ذاته على وجود فراغ ايديولوجي وسطحية انتشار العبادى الإباضية بالمغرب على أن البعد الفقهي لهذه الحركة الاجتماعية لم يقع تحديده إلا في مرحلة ثانية.
وهذا الربيع بن جيب، زعيم الأباضية بمكة، يتريث في اصدار فتوى لصالح عبد الوهاب ويأخذ أخيرا موقفا متوسطا بين الاعتراف بالامامة وانكارها (19) ويأخذ شعيب بن المعرف كبير فقهاء المذهب بمصر موقفا أكثر وضوحا فيتحول الى تاهرت، وينضم الى صفوف النكار (20) مما أدى الى تدعيم الحركة ومنحها الشرعية الفقهية واكتمالها، اذ بينما تزعم ابن فندين القيادة العسكرية، تولى شعيب التنظيم الايديولوجي.
وبهذا وصلت الحركة الى مرحلة متطورة من النضج السياسي، جعلها تمر الى المرحلة العسكرية. وقد حاول النكار في الدور الأول التخلص من عبد الوهاب قتلا فتواثقوا على غدر الامام والتمسوا الحيلة في الوصول الى ذلك» (21).
وفي مرحلة ثانية، سعى النكار الى دخول المدينة والقيام بحركة مسلحة منتهزين فرصة خروج الامام منها، لكن انصاره تمكنوا من الذود عنها وأحبطت العملية.
ولقد كان دخول المدينة من قبل النكار أمرا حاسما، لو وقع لانجر عنه تغيير جذريا في حياة هذه الدولة. وعلاوة على ما تذكره المصادر الأباضية من استبسال أفلح في الذود عن المدينة والمبالغة في شجاعته فالواقع أن تحصين المدينة واقامة سور حولها فيه أربعة أبواب قد ساعد كثيرا على حسم الخلاف لصالح ارستقراطية بني رستم (22).
ألفا
ولم تنته هذه الحركة رغم مقتل زعيمها ابن فندين وكثرة القتلى في صفوف النكار، وقد بلغ عددهم اثنتي عشر حسب الشماخي وما صلاة الامام على جميع الموتى طمعا في اجتماع الكلمة بعد «الفرقة إلا دليل على عدم حسم الموقف نهائيا الصالح الرستميين. وان تمكن بنو رستم من إبعاد شبح الخطر عن المدينة فان هذه الحركة التي استمدت شرعيتها من النزعة الاستقلالية البربرية (23) قد وجدت التربة الخصبة كي تنمو وتترعرع في جهة تلمسان وجبال أوراس بين أفراد قبيلة بني
(15) ن م ص 35 (16) ن م ص. 39، وفيه رفض النكار دفع الصدقة المبعوث عبد الوهاب. (17) انظر: الباروني: الأزهار الرياضية، ج 2 ص 137. (18) الشماخي: ن. م. ص 36. أنه
(19) ن. .م. ص. 33: «وله ما صنع الا أشياء عابوها عليه وأمروه أن يرجع عنها انظر محمود اسماعيل: الخوارج ص 157. (20) انظر التفاصيل في محمود اسماعيل: الخوارج، ص 157 - 158. ويقول بالخصوص ومهما يكن من أمر فان ما تذكره المصادر الاباضية من أن شعيب خرج من مصر في نفر من أصحابه بغير مشورة من مشائخ مصر طمعا في الامارة أمو مبالغ فيه، والأقرب للتصديق توجه لنصح عبد الوهاب وانهاء الخلاف في، تاهرت فلما لم يجبه انضم الى ابن فندين. (21) انظر، أبو زكرياء: ن. م. 1966، ج 1، ص 139 - 141. الدرجيني. ن. م. 1. ص 51 ـــ 53، الشماخي: ن. م. ص 34. (22) انظر البكر. نفس المصدر، ص 66 محمود اسماعيل نفس المصدر ص 158
- (23) تبدو النزعة البربرية لهذه الحركة فيما قاله أفلح عند قتله لأبن فندين «ما أقوى رأسك يا بربري يا مشوم» انظر: الباروني: ن، م، ج، 2، ص 111
البترية التي ما انفكت تعد للحركة النكارية الكبرى، فكونت أمامة منشقة عن تاهرت في أواخر القرن الثالث هجري بقيادة أبي عمار عبد الحميد الأعمى، ثم ترقبت انتهاء الدولة الوهبية لاعلان أحد تلاميذ أبي عمار وهو أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني الثورة في وجه سلطة العبيديين. على أن النكارية لم تجد تجاوبا في المغرب الأوسط والجريد فحسب بل وكذلك في أماكن بربرية نائية عن تاهرت. وكان ان انتقل شعيب بن المعرف من تاهرت الى جهة طرابلس بعد مقتل ابن فندين وذلك للتعريف بالقضية وكسب أنصار في الأماكن الموجودة على طريق الحج واستقبل الحجاج للدعاية لهذا الغرض وإظهار البراءة من عبد الوهاب (24). شأن النكارية بعد ذلك طويلا في جبل نفوسة وبلاد الجريد وجزيرة جربة (25) التى أصبحت الملاذ الأخير لهذه الحركة بعد محاصرتها في البر على أنها لم تنتشر انتشارا واسعا بالجزيرة الا خلال الحركة النكارية الثانية بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد، اليفرني ابتداء من سنة 331 هجري وان تمكن الفاطميون من الاستيلاء من جديد على الجزيرة سنة 341 هجري، فانهم عجزوا عن القضاء على النكار هناك، وبقيت نزعتهم الاستقلالية حية في الفترة الزيرية.
واستمر
(2) المحتوى السياسي للحركة الخلفية الانفصالية ان كلا من الصراع على النفوذ والأوضاع الاجتماعية المتردية التي أفضت الى حركة النكار في تاهرت هما اللتان تفسران تصدع وحدة جبل نفوسة وعصيان خلف بن السمح للامامة الرستمية، اثر موت أبيه السمح وهو عامل الرستميين على
الجبل.
فالخلفية هي حركة ذات طابع سياسي واجتماعي ولم تكن لها خاصيات فقهية تميزها عن الوهبية، وقد انتشرت منذ نهاية القرن الثاني وبداية الثالث هجري في قسم كبير من جبل نفوسة يفرن وكيكلة وبابل وتاكبال وزواغة، واستمر وجودها حتى القرن السادس هجري (26). ولم يكن دور السواد الأعظم من نفوسة في هذه المرحلة دور موالاة وطاعة للسلطة المركزية بتاهرت، وقد أبى عامة الناس إلا أن يختاروا خلف بن السمح عاملا عليهم وقد كان يتحلى بشعبية فائقة (27). ولما رفض عبد الوهاب الموافقة على هذا الاختيار، تحولت الحركة الى مطالبة باستقلالية الجهة الشرقية من جبل نفوسة عن تاهرت ومبايعة خلف اماما وعدم الاعتراف بامامة عبد الوهاب بن رستم. وترجع أسباب هذا الانفصال الى بعد المسافة الفاصلة بين البلدين (28) والى محاولات الهيمنة التي قامت بها تاهرت في هذه الجهة التي تسربت فيها النكارية من قبل، ولم تفلح زيارة عبد الوهاب للجبل لتأمينه واحتوائه. ولا نستعبد أن يكون في نية خلف السيطرة على الجهات التي كانت بيد جده أبي الخطاب واعادة بناء دولة اباضية كبرى (29) مما أثار تخوفات عبد الوهاب وجعله يرفض ما استباحه لنفسه قد تزعمت على التوالي الحركة النكارية ثم خليفية وتصدت في آن واحد للنفوسيين والفرس. ذلك أنه منذ زمن يرجع الى الفترة البيزنطية، تمكن بنو يفرن من السيطرة على شتات من القبائل البربرية الأخرى وتكوين كنفدرالية» يفرينية موطنها «أرض زناتة» بجبهة طرابلس. ويبدو أن مقر بني يفرن القديم يوجد بوسط يفرن، شرقي جبل نفوسة، حيث المنازل الكهفية والغيران القديمة المسماة بالبربرية يفرى – أفرى - يفرن، وهكذا اشتقت تسمية نمط المنازل التي تسكنها (30)، ومهما يكن من أمر، فان الحركة الخلفية اعتمدت أساسا على هذه القبيلة الزناتية. أضف الى ذلك، أنها دليل قاطع على عضوية العلاقات الواهية القائمة بين المناطق الأباضية النائية وتاهرت.
القبيلة من (24) انظر: الشماخي: ن، م، ج 1، ص 37
(25) انظر 314. Lewicki : la répartition géographique des groupements ibadites … In. R.O.، 1957. p. (26) انظر: 82 - 71. Lewicki : les subdivision de l'Ibadiyya. In Studia Islamica، 1958. p. (27) انظر: أبو زكرياء: ن م، 1960، ج 1، ص 159
(28) انظر: ن م ص،162 الدرجيني: ن م، ج 1، ص 74 الشماخي: ن م ص،67 واعتلوا أن حوزة طرابلس منقطعة عن حوزة تيهرت وبعيدة عنها.
(29) انظر: 115. Lewicki : Etudes Ibadites … In R.O.، 1961 p. (30) انظر: ابن خلدون: ن م ج 7 ص 22 ويفرن في لغة البربر هو الغار». 7 6