أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ٧

وبالتالي فان جوهر الخلافة لا يكمن في حقوق الرعية في تعيين عمالها وشرعية وجود إمامين في وقت واحد» (31)، بقدر ما يكمن في الأوضاع البشرية والسياسية الجغرافية التي فرضت فصل هذا الجزء الكبير من ليبيا عن الجزائر، وكذلك الأوضاع الاجتماعية التي امتازت بتحول نسبة من ثروات الجبل الى تاهرت في شكل ضرائب وهكذا بادرت العامة ومن لا بصيرة له بالأمور الى تقديم ولده خلف والاعتراف به إماما فيما تمسك أهل الصلاح من أمثال أبي المنيب اسماعيل بن درار وأيوب بن العباس، وهم خاصة من الفقهاء بامامة عبد الوهاب (32)، كما تمسك بها فقهاء المشرق منكرين امامة خلف، على حد قول المصادر الأباضية (33).

وليس من الصدفة أن يقع اختيار عبد الوهاب على أحد فقهاء وأعيان نفوسة الجبل: أبي عبيدة عبد الحميد الجناوني كي يكون عاملا له على هذه الجهة، فقد جاء هذا الاختيار متماشيا مع حرج الظروف السياسية وصعوبتها اذ أن أبا عبيد «شديد الشكيمة قوي العريكة» (34)، وهو رجل الساعة ذو تفكير عسكري على أن ميزان القوى لم يكن في صالح أبي عبيدة وجماعته الذين كانوا خاصة من كبار الفقهاء النفوسيين الموالين للرستميين والمنتفعين بحكمهم، من أمثال أبي زكرياء التوكيتي الذي اشتهر بعلمه وجاهه، وقد قال فيه أحد أباضية المشرق الذي جاء الجبل متفقدا أحواله: «أبو العباس، الذي

بارز الواصلية بتاهرت تربطه بالامام علاقات وطيدة».

ونظرا لقلة أنصار عبد الوهاب بالجبل وانعزالهم رفض أبو عبيدة الجناوي الحكم قائلا: «أنا ضعيف، ولا أطيق القيام بأمور المسلمين» (35).

ولذا وقفت السلطة المركزية عاجزة عن القضاء على هذه الحركة الانفصالية وأوصت أبا عبيدة أن يبقى في موقف دفاع ولا يهاجم خلفا فيلاطفه ويلاينه إلا أن فاجاه فليدفعه» (36). وتواصلت هذه الحركة بنفس القوة في امامة أفلح بن عبد الوهاب.

وأصبحت تيمتي مقر حكم خلف الذي استقر بالجهة الشرقية من جبل نفوسة ومعلوم أن كمية التساقطات بهذه الجهة أكثر من كمية الجهة الغربية قال الشماخي: فأخصب الله جهته استدراجا وأجدب جهة أبي عبيدة فمال الناس الى خلف طلبا للخصب والرخاء» (37). وهو سبب آخر يفسر تدفق الأنصار على خلف الذي اعتد بكثرة من معه وأعجب بعساكره مما جعله لا يكتفي بتحرير الجزء الشرقي نهائيا من سلطة الرستميين وأتباعهم، وتابع هجوماته لاحتواء كامل الجبل، واتبع استراتيجية خرب الاستنزاف مع العدو الذي تملكه الخوف وحاول الاكتفاء بمحافظته على الأمر الواقع.

واثر مهاجمة خلف لأبي عبيدة في عقر داره بقرية ادرف حاول المتضرر عبثا ايقاف هذه الحرب للاعتراف ضمنيا بحكم خلف قائلا: اذا نزعت يدك من الطاعة، فكن في حيزك وأكون في حيزي» (38). حيزي» (38). لكن خلف أبى إلا أن يواصل استنزافه لأنصار الرستميين مدة سنة كاملة إلى أن وقعت المعركة الحاسمة سنة 221 هجري (39) وتبعا لأهمية الدور الذي لعبته مصالح الجوسسة العباسية في إفشال الثورات الأباضية الأولى، فان الرستميين يبدو أنهم قد نسجوا على منوالهم. فاندست عيونهم في جيش خلف، وهذا أحدهم يخرج خلسة من جيش خلف، وينصح أبا عبيد بان يتنحى الى موقع استراتيجي بسفح الجبل (40). وقد كان هذا أحد عوامل فشل الانفصال وانتصار أبي عبيدة رغم قلة أنصاره ولسنا هنا بصدد مناقشة ما تذكره المصنفات الاباضية للمنحازة حول عدد الجيشين والفارق الكبير بينهما (4)

(31) انظر: محمود اسماعيل: ن، م، ص 164. انظر أبو زكرياء: ن م ص 162 الدرجيني: ن م ص 70 الشماخي: ن، م، ص 67 – 68. (32) انظر: أبو زكرياء: ن، م، 1960، ج 1، ص 160 - 162. الدرجيني: ن م ج 1 ص الباروني الأزهار الرياضية ص 151.

(33) انظر: محمود الشماخي: ن م ص 76. (34) ن م ص 60 وكذا في أبي زكرياء: ص 164 (35) ن م ص 69 وكذا في أبي زكيراء: ص 163 والدرجيني: ص 71.

(36) ن، م، ص.70

(37) انظر: أبو زكرياء: ن، م، ج 1، ص 66. الشماخي: ن، م، ج 1، ص 71. (38) نفس الاحالة السابقة.

(39) كذا في أبي زكرياء: ن، م، ص 170 والشماخي: ن م ص 76. بينما يذكر الدرجيني (ن، م، ج 1، ص 76 سنة 211 هـ. (40) انظر: أبو زكريا: ن م ص 169 الدرجيني: ن، م، ص 75. (41) يذكر الشماخي (ص 71) والباروني (الأزهار الرياضية، ص 166) أقل من 700 شخص في جيش أبي عبيد مقابل 40.000، وحسب الدرجيني (ج 1 ص 74: 4000 فحسب.

8

لكن معلوم أن هذه المعركة تضع حدا لنشاط الخلفية التي استمرت طويلا بعد هذه الأحداث. وبقي وطن يفرن متمتعا باستقلالية فعلية ومعقلا لهذه الحركة الاقليمية الانفصالية التي قادها ابن خلف في مرحلة ثانية بعد موت أبيه. وقد سعى عامل أفلح بن عبد الوهاب على الجبل، وهو العباس بن أيوب إلى محاربة الخلفية بالجهة الشرقية من الجبل. فخرج الى بني يفرن في جماعة من أعيان ومشائخ الوهبية منهم أبو زكرياء التوكيتي وأبو مهاصر الأفاطماني (42). والحقيقة لم تكن هذه المناوشات العسكرية في صالح وهبية نفوسة ولم يوجد تكافؤ بين القوتين حتى أن أبا مرداس مهاصر السدراتي التبرستي، أحد أنصار الرستمية المتحمسين فضل الانسحاب قبل بداية المعركة، وذلك بعد ما انعدمت ثقته في

جيشه (43).

ولم تقع المعركة الحاسمة إلا بعد تولي أبي منصور الياس النفوسي حاكم جبل نفوسة في عهد امامة أفلح وأبي اليقظان وأبي حاتم على التوالي، وقد اشتهر الياس، وهو مسيحي الأصل (44)، بقساوته وشدته فكان يضرب الرجل المتهم وهو مظلوم (45) كما قوي نفوذ هذا العامل، وأتت الضرائب من الجهات التابعة للجبل، فكان أن أرسل عامل يحتسب مع الشيخ ماطوس بن هارون ثلاثمائة دينار الى أبي منصور، ولم يتورع هذا الأخير من تسليم هذا المبلغ الى ماطوس دون استشارة بقية الأعيان أو أي شخص آخر (46) وباختصار فقد كان أبو منصور الياس الرجل المناسب لحسم الخلاف لصالحه والانتصار على ابن خلف في المعركة الأخيرة التي لم تقع في أواخر الحكم الرستمي (47). قبل وفاة الامام أبي اليقظان (231 هـ) والعامل أبي منصور (283 هـ) وتتبع أبو منصور هذه الحركة في معقلها الأخير بجربة وزواغة وما انفك الخلفيون في هذه الأماكن النائية ينادون بالاستقلالية عن حكم نفوسة الجبل وتكوين مقاطعة تدير شؤونها بنفسها، حتى أن أحد الشيوخ الوهبية من بني يهراسن قال لهم عند احتماء الطيب بن خلف بزواغة في مكان يدعى ريصوا: هل لكم أن تتركوا ريصوا وتتحصنوا بجزيرة جربة، أو ترسلوا الى الامام بتيهرت يخرجكم من عمالة نفوسة ويفرد لكم عاملا أو تدفعوا صاحبكم الى نفوسة» (48). والحقيقة أن الحركة الخلفية في هذه الحقبة لم تكن على ما كانت عليه فيما قبل، نتيجة انهزامها في مقاطعة يفرن

والتجائها الى زواغة وجربة. ولم ينفع احتماء ابن خلف باحدى الحصون في جزيرة جربة اذ لعبت الجوسسة مرة أخرى دورها في هذه الحادثة، فوقع الاعلان عنه وتسليمه إلى أبي منصور الياس الذي سجنه. وبهذا تمكن من اجهاض الحركة الخلفية. على أن بقايا ضلول هذه الفرقة استمر وجودها طويلا بعد انقراض الدولة الرستمية في الجنوب التونسي وخاصة بجربة. وقد مرّ الفقيه ابن زرقون بالمنطقة الساحلية المقابلة للجزيرة (جهة جرجيس حاليا وريصوا في النص) فوجد بها الفرق الأربعة للاباضية بالمغرب أي مستاوة والخلفية والنفاثية والوهبية (أهل الدعوة).

ويبدو

ومن الطريف أن هذه الفرق اتفقت على تقسيم الوظائف السياسية والدينية بينها في هذا المكان أن هذا التحالف وقع قبيل ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني وتحضيرا لها في النصف الأول من القرن الرابع هـ (49)، وعلى كل حال، فهو دليل قاطع على إمكانية التعايش السلمي بين هذه الفرق لأن الاختلافات بينها في مرحلة ثانية لم تعد حقيقية واقتصرت على مزايدات فقهية ومناظرات بعدما أضاعت محتواها الاجتماعي والسياسي الذي انبنت عليه.

(42) انظر: الشماخي: ن، م، ص 66. (43) ن، م، ص 86 وبلغنا أن العباس خرج الى بني يفرن فخشي أبو مرداس على العسكر أن يضعف ففعلا بالعباس، فقال له أرجع فأبى، فقال أن لم ترجع، صح في العسكر. (44) انظر: الشماخي: ن م ج 3 فهرس الاعلام. (45) ن م، ج 1، ص 136. فطلع أبو الليث الجناوي الى جادو فوجد أبا منصور فيه كتاب من تيمتي … فقال: بسواد في قرطاس تضرب الناس يا الياس فقال له ما نفعل يا شيخ؟ قال ترده الى السجن وابعث الى الأمناء … فلم يصح عنه ذلك وتبين أن الفاعل غيره». (46) لم نهتد الى تحديد موقع يمتمت والظاهر أنها تحريف لكلمة تيمتي هذا الحدث، انظر: الشماخي: ن، م، ج 1، ص 162 وهامش 7

من نفس الصفحة.

Lewicki: Les ibadites en Tunisie. Rome. 1958

(47) كذا في أبي زكرياء: ن م 1960، ج 1، ص 331 - 332 والدرجيني: ن، م، ج 1، ص 84 - 85. (48) انظر: الشماخي: ن م ص 115 وهامش 7 من نفس الصفحة. وول موقع ريصوا أو زيزا، انظر الخريطة في الشبه الجزيرة الواقعة بين شط بوغرارة وسبخة المالح وفيها جرجيس حاليا ويبدو أن ريصوا ليست إلا الشكل المعرب للكلمة البربرية ترتين (Lac Tritonis). (49) انظر الشماخي: ن، م، ج 1، ص 160.

وهي