أعمال الملتقى حول تاريخ جربة مجموعة مؤلفين

أعمال الملتقى حول تاريخ جربة

الجزء ١ · صفحة ٩

كما بقيت الحركة الخلفية، علاوة على النكارية حية بيفرن في عهد المعز بن باديس القرن الخامس) (50)، ويبدو أن حاكم الجبل: أبو يحي زكريا الباروني (النصف الأول من القرن السادس (هـ) قد استعمل الاغراءات المادية لتحويل سكان يفرن ككله وبابل وتاكبال الى مذهب الوهبية (51).

وقد سبقه الى هذا العمل في جربة الفقيه الوهبي: أبو مسور يسجا بن يوجين اليها سنى منذ النصف الأول من القرن الرابع هجري، ذلك أن أكثر وهبية جربة اهتدت على يديه وكانت من قبل على مذهب الخلفية من الأباضية وكان يسمع بها من النكار أذى كثيرا لما يرونه أنه بها غريب … (52).

وأخيرا، فان الحركة التي ظهرت في وطن يفرن كانت تهدف الى التحرير من سلطة الرستميين اذ انكرت امامة عبد الوهاب وتمردت على أفلح وطالبت بخلعه لانقطاع الحوزات بينهم (53). وهي بهذا شبيهة بحركة النكار التي شاركت فيها قبيلة بني يفرن مشاركة فعلية في تاهرت.

وفي كلتا الحالتين، فقد اصطدم بنو يفرن بقبيلة منافسة قامت عليها دولة الفرس في تاهرت: وهي نفوسة وجاء الاصطدام الثاني بين القوتين مباشرا فكان أكثر عنفا. ولاء نفوسة الجبل الظاهر للامامة الرستمية لم يمنع من ظهور حركة تزعمها أحد النفوسيين المستقرين بجالية قنطرار في بداية القرن الثالث، وانتشرت خاصة عند نفوسة الجبل.

على

(3) نفاث بن نصر وقيام حركة اجتماعية

كفاءته

تعترف المصادر الاباضية بالثقافة الواسعة لفرج بن نصر الويغوي المعروف بنفاث بن نصر النفومي القنطراوي ويتجر في علوم الفقه والكيمياء والهندسة (البناء) (4) لكنها تزعم أن حركة نفاث تفسرها أغراض ذاتية، ذلك أنه طمع في ولاية قنطرار، اثر موت أبي يونس وسيم النفوسي التمزيني. غير أن الامام أفلح آثر تولية مسعد بن أبي يونس هذا المنصب، رغم عدم وجبنه اذ نراه يفضل عدم المشاركة في وقعة مانوا ويركن الى الراحة (55) ومهما يكن من أمر فان الاسباب التي حركت نفاث وجماعته تكمن خاصة في محاربة استثراء الاستقراطية التاهرتية التي تخاذلت عن محاربة الأغالبة، كما تخاذل أحد ممثليها، وهو سعد بن أبي يونس في القيام بهذه المهمة سنة 283 هـ. وهكذا فقد عاب نفاث على أفلح بذخه (56) الذي تجلى في مظاهر عدة منها خروجه الى الصيد ولباسه الفاخر كما أنكر عليه خاصة ثقل الضرائب التي تؤخذ على الناس لصالح الدولة الرستمية، واستعمال العمال لاستعادة الجباية والحقوق الشرعية ومطالب بيت المال من الرعية (57). وانطلاقا من الجالية النفوسية يقطرار، انتشر فكر نفاث بن نصر سرعة في قبيلة زواغة وفي جبل نفوسة حيث ذكر النفاثية في أماكن عديدة منها ويغوا نفاث بن نصر (الويغي) وتمصمص (أبو نصر (التمصمصي) وتبن أنذركل وبغطورة (أبو القاسم البغطوري)، ويكفي أن نلقي نظرة على خريطة الجبل (58)، حتى نتبين أن كل هذه المواقع توجد حول شروس بالجهة الغربية بجبل نفوسة. وهكذا فان الحركة النفاثية وجدت تربة خصبة في قبيلة نفوسة ذاتها، بينما انتشرت الخلفية خاصة في وطن بني يفرن.

ولنا وثيقة هامة حول كيفية انتشارها في جبل نفوسة ومحاولة الوهبية التصدي لها ومحاصرتها قال الشماخي: وفي كتاب السير أن جماعة اجتمعت في تين أن دركل فيهم أبو نصر التصمصي وهو المفتي وفيهم نفاث بن نصر وهو يلقي عليهم من المسائل العويصة ما لا يفهمون. فأقبل مهدي (البغوري) وعمروس بن فتح)، فأمسك فقال أبو نصر: الآن جاء السلوقان

(50) ن م ج 1، ص 234

(51) ن م ج 2، ص 443 (52) ن م ج 1 ص 236

(53) انظر: الشماخي: ن، م، ج 1، ص 72 (أبو زكرياء: ن، م، 1960، ج 1، ص 168. (54) انظر: أبو زكرياء: ن م 1960، ج 2، ص 324 325 (55) انظر: الشماخي: ن، م، ج 1، ص 105

(56) قال الشماخي: ن، م، ج 1 ص 82: وطعن عليه نفاث بن نصر عن قلة محاريت المسعودة وما هو فيه من خفض العيش وله في ذلك وسائل اطلعت على بعضها انظر أيضا: حاجية الإباضية بالجريد تونس 1976، ص 63.

(57) انظر: الباروني: ن م ص 195. (58) انظر الخريطة بدراسة قمت بها حول قبيلة نفوسة.

ويبدو

العدالة.

اللذان يحرستان الحي من الذئب وأما جروة أبي نصر فتنبح على الغنم وتهز يعني بالجروة نفسه لضعفه عن نفاث وبالغنم نفوسة وبالسلوقين مهديا وعمروسا» (59)، وذكرنا أن دركل وتمصمصي توجدان بالجهة الغربية من جبل نفوسة. أن نفاثا الذي كان له مستوى ثقافي كبير، وقد قيل فيه ذو فهم عجيب وإطلاع وادراك زائدين (60) قد اتهم أولا باقناع الفقهاء والمشائخ الذين كان لهم تأثير على عامة الناس، ولا يخفي علينا أن لهذا النفوسي جاها وثروة كبيرة علاوة على سعة علمه (61) مما يزيد في قوة وقع مذهبه على الناس، سيما أنه كان يدعو الى أفكار فيها كثير من وبقدر ما كان انتشار هذه الفكرة واكتساحه الاراضي الاباضية قويا بقدر ما بذلت السلطة الرستمية كل جهدها للقضاء عليه فأبو نضر التمصمصي الذي ذكرناه دار الجبل أربعين مرة يحذر الناس من فتنة نفاث (62)، وهو دليل واضح على مدى انتشاره في الجبل. ولا غرابة أن تكثير التقارير المفصلة التي كان يقوم بها فقاء الوهبية وعيون الرستميين بقطرار والجبل حول نشاطه ويبعثونها الى أفلح بن عبد الوهاب ولقد وصلت محاصرة نفاث الى درجة خطيرة، مما جعلته يفر الى

مخالطة الناس

المشرق للتعليم (63) وربما كذلك للبحث عن أنصار الحركة من أباضية المشرق، كما فعل يزيد بن فندين النكاري. ويتجلى موقف الامام أفلح واضحا من شدة الحركة في رسائله التي بعث بها الى عامله بنفزاوة والى نفاث بن نصر (64). ففي الرسالة الأولى الموجهة الى ميال بن يوسف، عامل الرستميين على الجريد، اعتبر أفلح هذا الفكر الذي تجاوز تعاليم المذهب عملا فوضويا وفتنة خطيرة اذ أن نفاث هجم على ما لا يحل له، فكل شيء خطر على قلبه تكلم به مصيبا كان أو مخطئا وهو راكب مشكلات يخبط خبطة عشواء كحاطب ليل لا يدري ما يحطب». ولذا وجب مقاومتها، فحث عماله على ذلك باعتبار أنهم قصروا في عملهم هذا وأوصاهم بمنع نفات من ومحاصرة الحركة قائلا: لقد كان من مضى قبلكم من المسلمين لا يدعون مثل هذا يدخل مجالسهم ولا يشهد جماعتهم مقصيا ومبعدا مدحورا … وبقيت مصالح الجوسسة الرستمية في الجهة باتصال مباشر مع الامام لتخبره عن تطور الوضع وأعمال نفاث، فكثرت المكاتبات في حقه الى الامام من عماله وغيرهم ممن ائتمنهم وخصهم بمكاتبته وأخباره وهذه رسالة ثانية وجهها الامام الى هاته العيون الساهرة في الجريد، وحرص على ألا يذكر اسم المرسل اليه وجاء مكانه بياض حتى لا يفتضح أمره عند نفاث، ولم يأت رد أفلح إلا بعد عديد من الرسائل التي وجهت إليه في شأن هذه البدعة» أو «الفتنة» أو «الخلاف» والخروج عن طريق السلف من طرف غلام غر حدث لا تجربة له»، وكانت بحق معركة بين الأجيال، بين جيل يمثله أفلح ويأمر بقبول سياسة الامر الواقع التي تخدم مصالحه مع رفض كل تحول وتغيير وجيل ثان من الشباب الذي أبي إلّا أن تتغير لصالحه هذه الأوضاع الاجتماعية والسياسية. وعلاوة على ما ذكرناه من أسباب، فهذا أفلح يقول في رسالته المذكورة: ومن عاب عمالنا بخصلة من الخصال أو أنكر عليهم شيئا فليرفع ذلك الينا فنكون نحن الذين يغيرونه ان كان مما يغير وليس للرعية الوثوب على السلطان حتى ترفع ذلك الينا وهي ممارسات سلطوية. شأت أن يستفرد الامام بالسلطة التنفيذية دون مشاركة الرعية في أخذ القرارات. كما جاء على لسان الامام مخاطبا نفاث في رسالة ثالثة: ان كل من ابتدع في ديننا خلاف أسلافنا ورغم أن عمالنا أساقفة وأنهم لا طاعة لهم في حال كتمانهم فهو محقوق بالبراءة، وقال له أيضا وان كانت غايتك التصحيح، فانف عن نفسك ما رقى عليك وكن من جماعتنا وموافقي أسلافنا وهكذا، فان تردي الأوضاع الاجتماعية والسياسية بالجهة وخاصة عجز تاهرت عن الوقوف في وجه الاغالبة الذين

(59) انظر الشماخي: السير، ص 57،،222، وذكر البرادي (الجوهر، ص 206) ان مهديا أحد من صد مكايد نفاث ومنع كثيرا من تلك الأحداث. (60) انظر: "الباروني الازهار الرياضية ص 195 (61) انظر الشماخي، السير، ص 58، وفي سير أهل نفوسة أن مهديا وابن خالته فوجا تخاصما عند الامام بتيهرت فقال مهدي، خذ لي حقي من فرج فقد اشتغل بالدنيا وخفت على فوات الاخوة … انظر بقية الرواية ذكر الباروني (في الأزهار، ج 2، ص 206) انه كان (62) انظر: الشماخي، ن، م، ص 91. (63) انظر: ن، م، ص 105: واطلعت على بعض كتب الامام الى المشائخ في شأنه وقد أكثروا الكتب الى الامام في شأنه ثم أنه خائف، فانتقل الى المشرق ثم الى بغداد وله فيها أخبار في شدة الحفظ وكثرة العلم وجهله لديوان جابر الى الغرب. (64) انظر: الباروني: الأزهار الرياضية، ص 199 - 206

غنيا ثريا.

11

10