أعمال الملتقى حول تاريخ جربة
الجزء ١ · صفحة ١٠بدأوا في بسط نفوذهم على الجريد منذ سنة 224 هـ كل هذا أدى الى قيام حركة اجتماعية وسياسية. على أن هذه الفكرة لم تصل الى مرحلة التطبيق ولم يكتب لها النجاح النهائي، لأنها نشأت في منطقة صراع سخنة سياسيا ولأن الامامة الرستمية أظهرت منها البراءة وأبعدتها واستعملت أنصارها بالجريد وجبل نفوسة لمحاربة صاحبها بكل الطرق، مما أجبر نفاث على الفرار بنفسه بعيدا عن تاهرت والجريد نحو المشرق وطبيعي أن يصيب هذه الحركة التي لم تتشكل بعد في قوة عسكرية الوهن والجمود، وأن تتحول فيما بعد من فكر اياخي اجتماعي وسياسي الى مذهب منغلق عاجز عن التحرك على الساحة السياسية. لكن رغم ذلك، بقيت عداوة الوهبية لهذا الفكر قوية فاعتبر أبو الخطاب وسيل الزواغي أحد فقهاء القرن الرابع هجري النكار والخلفية والنفاثية كفارا (6).
كما بذل فقيه وهبي آخر معاصر، له وهو أبو الربيع سليمان بن زرقون كل جهده لمحاربة النفاثية في الجريد وجبل نفوسة، فكان يتحول من مكان الى آخر لهذا الغرض، ويحاول اقناع المشائخ خاصة بالعدول عن هذا المذهب وقد سبق أن ذكرنا مبروره بريصوا وجد بها أربع فرق من الاباضية منها النفاثية. وقال مخاطبا جماعة من النفائية بالجبل على رأسهم أبي القاسم البغطوري شيخكم يوالي نفائا وأنتم توالون شيخكم، فكلكم نفائيون» (66). وصفوة القول فإن القاسم المشترك لهذه الحركات الثلاثة القائمة ضد الدولة الرستمية هي الأبعاد الاجتماعية والسياسية التي اكتستها في المرحلة الأولى سواء في تاهرت أو جبل نفوسة أو الجنوب التونسي. هذه الحركات متشابها: أن فشلها في تحقيق أهدافها في هذه الأماكن أدّى بها للالتجاء في مرحلة ثانية كما كان مصير خاصة بالنسبة للنكار والخلفية - الى جزيرة جربة وذلك لأسباب عديدة. فهي بلاد بعيدة عن البر «من أعظم الجزائر خطرا وكان الناس لا يدخلون اليها إلا بالسفن قبل اعادة بناء القنطرة الرومانية من طرف السلطان الحفصي أبو فارس عبد لربط الجزيرة بتونس وضمها نهائيا الى دولته ومنع الخطر المسيحي، ما تمكن بواسطتها من نشر المذهب
العزيز محاولة المالكي بالجزيرة (67).
وتتمتع جربة بموقع استراتيجي هام فهي نقطة ربط بين جهة طرابلس وافريقية ومحطة متوسطة للاتصالات الواقعة بين أباضية ساحل افريقية وجهة طرابلس وهي كذلك مرفاً متقدما في أرض افريقية، يفتح على بقية البلدان والجزر المتوسطية، وقد سعى النورمان والأسبان الى احتلالها في عديد المرات كلّ هذه العوامل الجغرافية والسياسية تفسر تحوّل الجزيرة الى ملاذ أخير للحركات الإباضية في فترة ثانية على أن هذه الفرق لم تحافظ على كل الخصوصيات التي قامت من أجلها في الأول ودخلت في مرحلة جديدة في التصارع والتنافس فيما بينها.
(65) جاء في رحلة التيجاني الدار) العربية للكتاب، ص 131 - (132) ما يلي: خرجنا من مجازها المعروف بساحل البر المبتعد مقدار ثمانية أميال في البحر أكثرها قصير تقطعه الخيل مشيا وفيه مواضع عميقة لا يمكن السائحون الا قطعها سبحا فهو مجاز خبيث لا يجوزه الا عارف به متكرر عليه فاجتزنا نحن أولا في السفن وشرع الناس في الجواز فأجازت السفن قوما وأجازت الخيل آخرين مشيا وعوما .... (66) ذكرت المصادر الاباضية المالكية تحت تسمية الحشوية، انظر الشماخي السير، ص 457 - 458 (67) ت م ص 234.
بسم الله الرحمان الرحيم
العلاقة بين سكان جربة ومزاب
ابراهيم طلاي
جربة ومزاب … منطقتان متشابهتان في غالب سماتهما، توفرت لهما عوامل ودواعي عدة للاتصال والتعاون والمساعدة، رغم بعد المسافة التي بينهما وتقدر بـ: 1200 كلم. واني في هذه الكلمة القصيرة أعرض على السادة المجتمعين في هذا الملتقى التاريخي الذي خصص للحديث عن الجزيرة وحضارتها وتاريخها عبر العصور أعرض لمحة عن العلاقة الودية والروابط الثقافية التي كانت بين سكان الجزيرة ومزاب في الجنوب الجزائري. وسيكون حديثي مقتصرا على فترة معينة من تاريخ الاسلام في هذه الربوع - شمال افريقيا ـ ومن تاريخ جربة عبر العصور، هذه الفترة تبتدئ من عهد دخول الاباضية في حالة الكتمان واستقرارهم عليها (1) بعد تغلب الفاطميين عليهم وبسط نفوذهم على شمال افريقيا في مطلق القرن الرابع الهجري.
—
-
واذا اقتصرت على هذه الفترة ابتداء من مطلع القرن الرابع الى يومنا هذا، فلأن الموضوع ضبط تحت اطار علاقة جربة بمزاب ومزاب لم يعرف العمران بالمعنى الصحيح، ولم يستقر فيه المزابيون قبل هذا التاريخ، وإلا فعلاقة جربة بالأقطار الأخرى من المواطن التي ساد فيها المذهب الاباضي وانتشر كجبل نفوسة وجبل دمر والجريد وأريغ ووارجلان وأوراس وتاهرت علاقتها بهذه المناطق كانت وطيدة قبل هذا التاريخ. وكانت جربة في تلك العهود تمثل جزءا من أراضي تلك الدولة التي أنشأها سلف الأباضية الذين كان لهم النفوذ الواسع في تلك الأقطار.
ان التعاون والتآزر والأخذ والعطاء لا يتأتى بين مجتمعين متباعدين بمثل تلك المسافة التي ذكرنا إلّا إذا توفرت لهما الأسباب وتهيأت الظروف المشجعة الحافزة على ذلك. جربة ومزاب قد توفر لهما من ذلك الشيء الكثير نخص بالذكر شيئين اثنين:
أولا: يسود جربة ومزاب مذهب اسلامي، واحد فسكان المنطقتين غالبهم اباضية المذهب، فلا بد أن ينشأ عن المذهب (1) يرى الإباضية أن المجتمع الاسلامي من ناحية الخلافة الاسلامية لا يخلو من إحدى الحالات الأربع: الظهور والدفاع والشراء، والأخيرة منها حالة الكتمان، وذلك عندما يعجز المسلمون فيصلون الى حالة من الضعف لا يستطيعون القيام بمهمام الخلافة الاسلامية، انظر عقيدة العزابة مسالك الدين).
13
12