أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

المسلمين من بني زيري في أفريقية عندما استنجدوا بهم ليكونوا لهم رِدْءاً ضد تحرشات ملك صقلية النورماندي رجار الثاني، إذ أرسلوا أسطولاً بحرياً بقيادة أمير البحر ابن ميمون سنة 516 هـ/ 1122 م تمكن من الاستيلاء على مدينة نقوطرة (1) على ساحل قِلورية التي تقع في أقصى الطرف الجنوبي من القدم الإيطالي قبالة جزيرة صقلية.

كما هاجم الأسطول المرابطي أراضي النورمانديين في صقلية وجنوب إيطاليا مرة أخرى سنة 521 هـ / 1127 م وظفر بكثير من الغنائم والأسرى.

C

ويبدو أن هؤلاء النورمانديين قد أرادوا الانتقام من المرابطين فقاموا بمهاجمة مدينة سبتة سنة 538 هـ / 1143 م بأساطيلهم البحرية ولكن الأسطول المرابطي قام بالتصدي لهم وردّهم على أعقابهم (2). بعد أن دارت بين الفريقين معركة بحرية قتل فيها من الجانبين أعداد جمة (3). ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن نشاط البحرية المرابطية لم يقتصر على حوض البحر المتوسط وحسب بل وصل إلى البحر المحيط المحيط الأطلسي إذ امتدت سيادتهم البحرية إلى جزر الخالدات/ الجزر الخالدة، أو جزر الكناري كما تسمّى اليوم قبالة السواحل الغربية المغربية. وبعد أن سقطت الدولة المرابطية على أيدي الموحدين تولى بنوغانية (4) ـ وهم فلول المرابطين - مهمة الجهاد البحري في حوض البحر المتوسط ضد سواحل الممالك المسيحية الأمر الذي أجبر جمهوريات جنوة وبيزة والبندقية الإيطالية إبرام المعاهدات معهم لحماية أساطيلها التجارية في حوض البحر المتوسط.

ل نأتي بعد هذه العجالة في استعراض جهود المرابطين في ميدان الوحدة الإسلامية إلى القول: إن هؤلاء الصحراويين الأفارقة جدراء بالتقدير لأنهم قدموا خدمة جليلة للإسلام والمسلمين بنشرهم للإسلام الصحيح في ربوع أفريقيا المدارية الغربية ثم توحيدهم للقبائل الصحراوية مع بلاد المغرب الأقصى والنصف الغربي من المغرب الأوسط فضلاً عن بلاد الأندلس، وتكوين جبهة إسلامية موحدة أمكنها التصدّي بشجاعة لحركة التقدم النصراني في شبه الجزيرة الأيبيرية التي أصيبت بالشلل على أيديهم بفضل الانتصارات الرائعة التي أحرزوها ضد أعظم ملوك إسبانيا المسيحية آنذاك مثل ألفونس السادس ملك قشتالة وليون وألفونس الأول (المحارب) ملك أرغون وألفونس السابع وغيرهم قادوا حرباً صليبية ضد المسلمين في الأندلس، حيث إن البابا كان قد أصدر قراراً بإعفاء الإسبان من الذهاب إلى المشرق الإسلامي والمشاركة في الحملات الصليبية ضد بيت المقدس، معتبراً أنهم

(1) ابن عذاري 67/ 4 أماري. م: المكتبة العربية الصقلية، ص.371. ابن خلدون، 161/ 6.

الإسلامية، ص 66. (2) ابن تاويت: تاريخ سبتة، (3) ابن عذاري 103/ 4

ص

56

أحمد

الذين

عزيز:: تاريخ صقلية

عليه ولية (1)

(5)

(4) غانية هي أميرة مرابطية وهي أم جدهم أبو زكرياء يحيى بن علي المسوفي بطل معركة إفراغة الشهيرة سنة 528 هـ/ 1134 م. ويقال إن كلمة غانية نسبة إلى أمهم التي كانت من بلاد غانا.

علم

يواجهون حرباً صليبية في عُقر دارهم وهكذا فإن انشغال الممالك المسيحية في غرب العالم الإسلامي بمحاربة المسلمين كان قد خفّف من حدة الحروب الصليبية التي اضطرمت في المشرق منذ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي المقال وقد كلف هذا الجهاد المرابطين في الدفاع عن الإسلام ووحدته ثمناً باهظاً فقد فقدوا في مواجهة الأعداء خيرة رجالهم وقادتهم الذين روت دماؤهم سُوح القتال سواء ضد نصارى إسبانيا ومن عاضدهم من الفرنسيين والإيطاليين أم ضد الزنادقة والمنحرفين في المغرب أم ضد الوثنيين في بلاد السودان الغربي. من جهة أخرى نرى أن نظرة المرابطين الوحدوية إلى العالم الإسلامي جعلتهم يهبون لنجدة إخوانهم من مسلمي أفريقية الزيرية وتجشمهم لمحاربة أعدائهم من النورمانديين في عقر دارهم. انشقاقاً ناهيك عن انضوائهم تحت لواء الخلافة العباسية في المشرق حتى لا يحدثوا في وحدة المسلمين الذين أضحوا آنذاك مهددين من الحملات الصليبية الموحدة من قبل الغرب المسيحي سواء في المشرق أم في المغرب. أخيراً فقد كان لهذه الجهود الوحدوية المرابطية أثرها في تكوين وحدة ثقافية وحضارية ربطت بين أطراف هذه الدولة المترامية الأطراف بدءاً من الأندلس شمالاً إلى نهر النيجر جنوباً ومن الجزائر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وما واكبها من تواصل ثقافي وعلمي عن طريق الرحلات العلمية والمخاطبات والإجازات والاستجازات وتبادل الفتاوى.

كما كان للعملة المرابطية هي الأخرى دور وحدوي إذ ربطت بين أنحاء هذه الدولة، وكان الدينار المرابطي له شهرة دولية لا بل كانت العملة المرابطية العملة الدولية الأولى على أيامهم، ذلك إلى أنها كانت من الذهب الخالص، وكان الذهب مورداً هاماً من موارد دولتهم بعد ويرجع ضمهم لبلاد غانا أو السودان الغربي الغنية بمناجمه. ولعل مما قام به المرابطون من تواصل بين بلاد الصحراء وأفريقيا المدارية وبين بلاد الأندلس هو إدخالهم للجنود السوادنيين في أفريقيا الغربية إلى بلاد الأندلس فقد شكل منهم يوسف بن تاشفين فرقة عسكرية خاصة لحراسته وهي تشبه قوات الكوماندوز أو قوات التدخل السريع بمفهوم عصرنا وقد لعبت هذه الفرقة السودانية دوراً مُبرّزاً في المعارك التي خاضها المرابطون في شبه الجزيرة الأيبيرية إذ عُرف أفرادها بشجاعتهم واستبسالهم في القتال فكانوا ينقضون كالصاعقة على قوات النصارى عندما يُحمى وطيس المعركة ففي معركة الزلاقة الشهيرة مثلاً شاركت قوة من هؤلاء السودانيين قوامها أربعة آلاف فارس دفع بها يوسف بن تاشفين فكانت سبباً في تقهقر جيش النصارى ودحره كما أن أحداً منهم استطاع الوصول إلى الملك النصراني ألفونس السادس وطعنه في فخذه طعنة بالغة كانت سبباً في تركه ساحة القتال مهزوماً إلى طليطلة لا يلوي على شيء. وفي غزوة البكار سنة 528 هـ/ 1134 م التي قادها الأمير المرابطي تاشفين بن علي ضد القوات القشتالية تمكن أحد هؤلاء السودانيين أيضاً من طعن القائد القشتالي فأُزدي قتيلاً.

203

202