أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠١

الجيوش المرابطية مع الجيوش الأندلسية (1) مكوّنة جبهة إسلامية واحدة وشقت طريقها نحو مدينة بطليوس من غرب الأندلس لمنازلة ألفونس السادس ملك قشتالة وليون. اللحمة

في يوم الجمعة 12 رجب سنة 479 هـ (2) 23 أكتوبر 1086 م وفي مكان يسمى الزلاقة على أحد نهيرات وادي آنة بالقرب من مدينة بَطَلْيوس في غرب الأندلس دارت رحى تلك المعركة الحاسمة بين القوات الإسلامية المتحدة من المرابطين والأندلسيين وبين القوات النصرانية المتحدة بقيادة ألفونس السادس ملك قشتالة وليون وما انضم إليه من نصارى جليقية وبسكونية وأشتوريش، فضلاً عن جموع المتطوعة من إيطاليا وجنوب فرنسا، وقد انتهت المعركة بانتصار الجيوش الإسلامية انتصاراً باهراً، ودحر الجيش النصراني وتمزيقه شرّ ممزق. كما أن ألفونس السادس نفسه قد أصيب بجراح على يد أحد الجنود السودانيين من رجال يوسف الأمر الذي اضطره إلى الفرار من ساحة القتال والفرار إلى طليطلة في عدد من رجاله لا يزيدون عن الخمسمائة بعد أن أباد القتل من سواهم. تمخض عن انتصار المسلمين في الزلاقة أن انقشع خطر النصارى ضد أهالي الأندلس فتنفّسوا الصعداء، وارتفعت معنوياتهم، كما أن هذه المعركة قد أثبتت أن يوسف بن تاشفين هو العنصر القادر على توحيد الأندلسيين تحت لواء المرابطين (3). ومن جهة أخرى فإن النصارى الإسبان في شبة الجزيرة الأيبيرية قد انتابهم الخوف والذعر)) من جراء هذا النصر، ووجد زعيمهم ألفونس السادس نفسه أمام جبهة إسلامية متحدة من الأندلسيين والمرابطين تقف حُؤُولاً بينه وبين مخططه الرامي إلى الاستحواذ على أراضي المسلمين في الأندلس خاصة بعد نجاحه في الاستيلاء على مدينة طليطلة الحصينة وتحويلها إلى عاصمة لمملكته ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن التدخل المرابطي في بلاد الأندلس قد أمد في عمر الوجود الإسلامي فيها عدة قرون أخرى من التاريخ والحضارة بعد أن كاد يوشك على الزوال. توحيد المرابطين للعدوتين المغرب والأندلس: تبيَّن ليوسف بن تاشفين عجز أمراء الطوائف عن الوقوف جبهة واحدة لمناهضة النصارى، ولذا فقد عوّل على خلعهم (5)، لرأب ذلك الصدع الذي عاشته الأندلس في ظلّهم، ولتكوين جبهة إسلامية - أندلسية مرابطية - متحدة تكون لديها القدرة على

•

(4)

(1) شارك من الأندلسيين في معركة الزلاقة عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة وأخوه تميم صاحب مالقة، وابن صمادح صاحب المرية هذا فضلاً عن المتطوعة الذين هُرِعُوا من سائر أنحاء الأندلس رغبة في الجهاد انظر الحلل الموشية ص 51 و 52. الروض المعطار، 289 الحلة السيراء.2/.100. كما شارك فيها كذلك المعتمد بن عباد صاحب اشبيلية الذي أبلى بلاء حسناً في القتال.

(2) الحلل الموشية، ص 64. المطرب لابن دحية ص 119. الذخيرة، 1/ 2، ص 241 دول الطوائف، ص 452. (3) محمد بن عبود: معركة الزلاقة والواقع الأندلسي، (4) يقول ابن بلقين صاحب غرناطة وكانت شاهد عيان في هذه المعركة: قد أُشرب الروم من تلك الوقيعة خوفاً

108

ص

50

وانكماشاً. . . .»، التبيان، ص (5) غير أن يوسف بن تاشفين لم يقدم على مشروعه الخطير هذا إلا بعد أن تحصل على فتاوى الفقهاء في ذلك يقول ابن خلدون: وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم وصارت إليه بذلك فتاوى أهل الشرق الأعلام مثل الغزالي (ت 505 هـ)) والطرطوشي (520 هـ). انظر العبر 6/ 187.

مواجهة خطر النصارى المتزائد هذا فضلاً عن كون بلاد الأندلس ثغراً من الثغور الإسلامية فهي ميدان خصب للجهاد الذي تحمّس له هؤلاء المرابطون الصحراويون وجعلوه هدفهم الأسمى. كما أن دولتهم كانت قد قامت على الجهاد وهو الطابع المميز لها منذ نشأتها الأولى، فضلاً عن أن وحدة هذه الدولة كان يذكيها الجهاد، ويصونها الكفاح من أجل نشر الإسلام (1).

وصفوة القول إن هذه الدولة التي جاهدت في الصحراء وجاهدت في بلاد السودان، وجاهدت في بلاد المغرب الأقصى رأت أن تنصرف إلى الجهاد العام إلى مواجهة أعداء الإسلام، سواء في شبه الجزيرة الأيبيرية من النصارى الأسبان أو الفرنجة أو النورمانديين في حوض البحر المتوسط. أمام هذه المعطيات قام يوسف بن تاشفين بالإطاحة بأمراء الطوائف في الأندلس وأعادها إلى سابق وحدتها قبل عهدهم، وأمكنه بذلك توحيد الجبهة الإسلامية بين العدوتين الأندلس والمغرب، والتفرغ كلية إلى جهاد النصارى (3) في شبه الجزيرة الأيبيرية الذي أضحى شغل المرابطين الشاغل حتى آخر أيامهم.

فمن أعمالهم الجهادية وانتصاراتهم التي حققوها بعد معركة الزلاقة في بلاد الأندلس على سبيل التمثيل لا الحصر:

استنقاذهم لمدينة بلنسية من يد المغامر القشتالي السيد القنبيطور سنة 495 هـ / 1102 م. انتصارهم في وقعة اقليش سنة 501 هـ/ 1108 م على قوات ملك قشتالة وليون ألفونس السادس والتي قتل فيها ابنه الوحيد شانجه وسبعة من كبار قادته.

ثم هزيمتهم لألفونس الأول (المحارب) ملك أرغون في وقعة إفراغة الشهيرة سنة 528 هـ / 1134 م، وغيرها.

نجدة المرابطين لأهالي الجزائر الشرقية الأندلسية: تعرّضت هذه الجزر لحملة صليبية من قبل بعض المسيحيين الغربيين الذين أرسلوا إليها قوة بحرية شاركت فيها أساطيل من مدينتي جنوة وبيزة الإيطاليتين وقطع من كونت برشلونة وأخرى من جنوب فرنسا، وقد بلغت نحواً من ثلاثمائة قطعة بحرية، حيث فرضت حصاراً بحرياً حول جزيرتي يابسة وميورقة سنة 508 هـ / 1114 م ثم إخضاعهما. ولكن المرابطين سرعان ما تدخلوا لإنقاذ مسلمي هذه الجزر فأرسلوا لتوههم أسطولاً بحرياً استطاع طرد الأساطيل المسيحية المتحدة وتوحيد هذه الجزر مع بلاد الأندلس تحت سيادتهم.

التعاون الوحدوي بين المرابطين وبني زيري في أفريقية: لما كانت الوحدة الإسلامية والجهاد الإسلامي هدفان أساسيان من أهداف المرابطين الاستراتيجية فإنهم لم يتلكأوا في نصرة إخوانهم

233، 232

ص

(1) قيام دولة المرابطين، ص 232. (2) المرجع نفسه، (3) ويعبر عن ذلك صاحب غرناطة بقوله: وصرف المرابطون وجوههم إلى فتنة الروم ومُقاصاتها، بعد إكمالهم لأخذ سلاطين الأندلس. . . . التبيان ص

175

201

200