أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

العلاقات بين ليبيا وشعوب الصحراء في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين من خلال بعض الوثائق العثمانية

نضارة بينما قيل

را بالا بيضا

د. صلاح الدين حسن السوري عضو هيئة التدريس - جامعة الفاتح - طرابلس

تتناول هذه الدراسة الصلات بين ليبيا وشعوب جنوب الصحراء خلال القرن التاسع عشر،

وأوائل القرن العشرين وهي الفترة التي كانت فيها ليبيا - أو ولاية طرابلس الغرب ومتصرفية بنغازي - جزءاً من الأمبراطورية العثمانية. وتقتصر على النظر في عاملين هامين كان لهما تأثيرهما البعيد المدى على شعوب المنطقة - هذان العاملان هما العامل الاقتصادي المتمثل في الحركة التجارية، والعامل الاجتماعي الذي ترتب عليها؛ والذي ما زال تأثيره واضحاً على التركيبة الاجتماعية في البلاد. العامل الاقتصادي: وأقتصر فيه على حركة التبادل التجاري، وقد استرعى انتباهي فيها ما أحدثته من حركة عمرانية تمثلت في مد الجسور عبر الصحراء، وازدهار المدن والمراكز التجارية في أعماقها، وتحقيق الأمن والطمأنينة فيها والأهم من ذلك كله العلاقات الإنسانية التي ظهرت في حسن التعامل، وتبادل الثقة، وحلّ المشاكل بالأساليب السلمية.

ETer.

وإن العلاقات التجارية تتطلب بطبيعة الحال علاقات سياسية طيبة ومستقرة ومطمئنة. ونجد في أقدم وثائق هذه الفترة موضوع الدراسة رسالة من متصرف فزان المنطقة الصحراوية المتاخمة لبلاد السودان إلى الوالي في طرابلس مؤرخة في ربيع الثاني سنة 1271 يفيده بأنه ينفذ التعليمات المتعلقة بطمأنة حكام، برنوح، بأن الحكومة العثمانية ليس لها أية أطماع سياسية في برنوح، إنما مقاصدها تقتصر على بناء جسور المحبة والصداقة بين البلدين المسلمين. كان هناك حرص على تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتقويتها فكانت السفارات والرسائل المتبادلة والمستمرة بين البلدين من وسائل تلك السياسة. وبطبيعة الحال كانت تتضمن الاهتمام بالتجارة وتأمين الطرق وتيسير الأمور بما يعود نفعه على الطرفين. وكانت عبارات التعظيم والتفخيم وإظهار الاحترام تنمق بعناية؛ وتستخدم فيها المحسنات البديعية التي تميزها عن الرسائل الشخصية العادية والإدارية الرسمية. ففي إحدى الوثائق

المؤرخة 27 شعبان سنة 1286 قرار مجلس إدارة الولاية يؤكد أهمية التجارة بين الولاية وبرنوح ويقرر رصد مبلغ لإرسال هدية مناسبة صدرت فيها إرادة سلطانية لحاكمها عمر الكانمي وأن يقوم بحمل الرسالة والهدية شخص ذو اعتبار يحمل لقباً شرفيا؛ وتم ذلك بالفعل؛ والرسالة تحمل تاريخ 2 رمضان سنة 1286، وكانت مفعمة بعبارات التبجيل والتعظيم والإشادة بفضل عمر الكانمي ومكانته. وكانت تتضمن أيضاً الاهتمام بالتجارة وتنميتها وتأمين طرقها وضمان أمنها. الليا وسنجد سعياً من الطرفين في الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة في السنوات اللاحقة. ففي رسالة من والي طرابلس أحمد باشا مؤرخة في 8 محرم سنة 1300 إلى حاكم برنوح الشيخ أبي بكر بن عمر الكانمي يفيده بوصول كتابه وهديته إلى السلطان عبد الحميد الثاني، ويعبر فيها عن شكر السلطان وامتنانه وإشادته بالروابط الطيبة وحسن الجوار والتضامن بين المسلمين. وأهم ما في الرسالة التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتجارة وحمايتها وتسهيل أمرها. واداي كانت هي الأخرى من أهم المراكز التجارية في السودان ومن ثم كان الاهتمام بها واضحاً في وثائق الفترة واستخدمت الأساليب نفسها من تبادل رسائل ومراسيل وهدايا، ومن حسن استقبال للقوافل وأصحابها. ففي غرة محرم سنة 1270 رسالة من الوالي مصطفى نوري باشا إلى قائمقام فزان يقره على حسن استقبال القافلة القادمة من واداي واستضافتها والهدايا التي قدمها إلى أعيانها ويعبر عن فرصته بفتح الطريق التي ستكون مصدر خير ونفع للجميع. أما «كافو» فكانت من أهم المراكز التجارية في السودان التي تعامل معها تجار طرابلس، حيث القوافل تنتقل تباعاً بين البلدين، أما العلاقات السياسية والاجتماعية فكانت على أحسن الأحوال، وقد اختار بعض تجار طرابلس الإقامة هناك ومنهم من ارتبط بالمجتمع الكانوي عن طريق المصاهرة في حينه. وكان كما سنتعرض الاستثمار التجارة بين طرابلس وكانو كبيراً جداً في بحسابات تلك الفترة ومن ثم كانت قوافلها مستهدفة من قبل قطاع الطرق كما تبين إحدى الوثائق المؤرخة في 11 رجب،1316 وكان هناك ضغط مستمر من التجار على الحكومة بضرورة اتخاذ المزيد من الترتيبات الوقائية لحماية قوافل التجار من تلك الغارات. انت ايه لت کا پنجا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين زاد الاهتمام ببلدة كاوار وقراها السبع اقرم درکو، اشهدرو، اسنى، نحا، أناي بلما) وخاصة بلما التي اشتهرت بتصدير الملح، ومن ثم أرسلت بعثة على رأسها الشريف السنوسي عضو إدارة متصرفية فزان والحاج السنوسي ملازم الضبطية في مهمة استكشافية لهذا الغرض، وبعد العودة كتبت البعثة تقريرها عن حسن الاستقبال التي لقيته من حاكم البلاد وأعيانها وأهلها وعن خصوبة أرضها وعذوبة مائها ورغم ذلك فالزراعة محدودة ومعلومية أهلها فيها ضئيلة ولا تزرع إلا الذرة بقدر محدود وبطريقة بدائية ويوجد الملح في قريتي أقرم وبلما وهو من أجود الأنواع ويباع بالمقايضة وقد بعث نموذج منه مع التقرير. إذاً إرساء دعائم علاقات سياسية متينة مسألة ضرورية ومطلوبة ومفيدة للطرفين ومن شأنها تسهيل التجارة وتبادل البضائع وانتقال السكان وحل المشاكل بالوسائل السلمية والدبلوماسية إن صح

ومع

لذلك

حجم

207

206