أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

التعبير. ولكن تبقى مسؤولية تأمين الطرق الصحراوية الممتدة آلاف الكيلومترات، حيث القوافل التجارية تتعرض من آن لآخر لهجمات قطاع الطرق، شغل الدولة الشاغل ومن ثم بدأت في مراحل مبكرة في بناء مراكز أمنية في شكل قرى تعمر بعدد مناسب من السكان ويؤسس فيها فندق لراحة المسافرين ومركز للشرطة وبعض الدكاكين والبيوت السكنية؛ وتعتبر بونجيم التي تقع في مفترق الطرق بين الساحل والجفرة وفزان التي بنيت في منتصف سنة 1262 نموذجاً لها، وفي أقصى الغرب حيث مدينة غدامس مركزاً في مفترق طرق القوافل بين طرابلس وتونس والجزائر وأفريقيا، والتي

كانت هدفاً للغارات أسس مركز في مكان يسمى «الملزم لحماية المدينة وتجارها وقوافلها. الغارات تحدث في الصحراء معظمها بين القبائل الرحل من البدو والطوارق والبتو، عن طريق المباغتة، وفي أماكن تكاد تكون معروفة ومن ثم كانت من أوليات الحكومة الأمنية متابعة تلك الغارات، ومحاولة احتواء القائمين بها والمحرضين، عليها عن طريق الترغيب والترهيب، وعن طريق الكفالة والتعهدات ونجد شواهد لذلك على مدى السنين خلال الفترة موضوع الدراسة. فرغم الاتفاقات والتعهدات التي تعقدها الحكومة ممثلة في حاكم فزان مع زعماء القبائل والذين هم في أغلب الأحوال من الطوارق من أجل تأمين الطرق وضمان سلامة التجار وبضائعهم فإن تلك المساعي قد تذهب ضحية الصراعات بين القبائل وتستدعي تدخل الحكومة من جديد

مع نهاية الفترة موضوع الدراسة ازداد الاهتمام بالتجارة مع السودان واستقرت قواعدها على أسس سليمة في الجانبين وازداد اهتمام العثمانيين بتأمين الطرق ومطاردة المغيرين ومراقبتهم، ورصد تحركاتهم، وتوفير الحماية الضرورية للقوافل؛ وأحس التجار بضرورة الاستفادة من هذه الرعاية فتقدموا بالحصول على مراسيم التوصية. أما القوافل ذاتها فكانت موضوع رعاية المسؤولين، يتابعون تحركاتها ويقررون عنها إلى الوالي في طرابلس وسهل استخدام التلغراف مهمة الاتصال وسرعة تحريك الجنود عند الضرورة لحماية القوافل كما تبين البرقيات المرسلة من مركز المتصرفية في مرزق إلى طرابلس ..

الجانب الاجتماعي: ويتمثل في التأثيرات الاجتماعية التي ترتبت عن حركة القوافل، وتنقل التجار، وتبادل البضائع، والعلاقات الإنسانية التي نشأت بين الطرفين. إن رواجاً اقتصادياً حدث في البلد وأدى إلى ارتفاع في الدخل وتحسن في أوضاع المعيشة ولمعت صورة التجار في المجتمع، وظهرت أسماء بعض العائلات التي أصبح لها تأثيرها الاجتماعي السياسي في تلك الفترة وفي الفترات

اللاحقة.

،

على الجانب الآخر في بلاد السودان وفي مناطقها المختلفة وبالأخص في «كانو»، كانت إقامة التجار تطول، ومعرفتهم بالناس تزداد ومصالحهم تتشابك وعلاقاتهم تتوطد، فحدث التزاوج؛ وظهر جيل طرابلسي الأب سوداني الأم، ويمكن ملاحظة ذلك عندما تجد في الأسرة الواحدة من تلك الأسر اختلافاً في لون البشرة؛ وبالنظر إلى الانتماء لنفس الأسرة فلا نجد أية تفرقة في التعامل. فالتزاوج يحدث بين أفراد تلك الأسر، وبينهم وبين الأسر الأخرى، دون تمييز بين

بتحريم

الأبيض والأسمر، لأن معيار الاختيار يتعلق إلى حد كبير بمكانة العائلة الاجتماعية. فالرقيق كان يستورد، ولكن بنظرة إلى محتويات التجارة المستوردة نجد الرقيق لا يشكل إلا نسبة ضئيلة فيها، مقارنة بأصناف البضائع كريش النعام وناب الفيل وغيرها. ولكن في سنة 1280 صدر القانون العثماني هذا النوع من التجارة وتأكد المنع مرة أخرى بمرسوم ولائي شديد اللهجة في 21 شعبان 1286. وقد اطلعت على وثائق كثيرة تتعلق بملاحقة هذه التجارة وعملائها حتى تم القضاء عليها مع بداية هذا القرن. فكانت قرارات العتق تصدر تباعاً لدى الطلب وأجريت التحقيقات مع بعض المهربين، ومع الرقيق المهرب ولوحق موظفو المواني وربابنة السفن وتعرضوا للتحقيق، وأسندت لبعضهم تهم الارتشاء للمساعدة على التهريب بالتورط مباشرة أو بالتغاضي إلخ … كانت الحملة مكثفة وانتهت تجارة الرقيق التي تشكل لطخة عار في تاريخ الإنسانية، ودخل التركيبة الاجتماعية عنصر جديد استعاد حريته وحقه في الحياة ومنهم من احتفظ بأسماء العائلات التي أعتقتهم ومنهم من استخدم أسماء مميزة فيها الأمل والتفاؤل (خير، سعد، سعيد مسعود، بركة … إلخ). هذا العنصر الزنجي الأصول أصبح جزءاً لا يتجزأ من المجتمع الليبي لا يعرف غيره، ولا ينتمي إلى سواه: شارك في حركة الجهاد وفي عمليات البناء، ومن بين أفراده من تعلم وتثقف وعمل في وظائف الدولة وتبوأ أعلى المناصب فيها. خلاصة القول إن الصلات بين ليبيا وشعوب جنوب الصحراء، خلال هذه الفترة نمت وازدهرت وآتت ثمارها المرجوة، لأنها لم تبن على أسس عاطفية وقتية عابرة، بل بنيت على أسس سليمة على مصالح وفوائد اقتصادية ملموسة شعر الجميع بجدواها فتعاونوا على المحافظة عليها، واجتهدوا في تطويرها، وعملوا على إنجاحها. إنها تجربة فريدة ومميزة في تاريخ الشعوب على جانبي الصحراء لم تكن نهايتها بسبب قصور فيها أو خلل في أدائها أو خطأ في مسارها، بل بسبب الاستعمار الذي أطبق عليها. نينا وعلي كاريا فيمنال

الأولى

،

الت

ا راية راية عرية (1)

209

208