أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١١٠

الاستعماري الساعي لإستلاب أفريقيا وغزوها (1)، وقد أخبرنا في رسائله الأولى التي كان يرسلها إلى شقيقه الشيخ عبد السلام السنّي عن هؤلاء الفرنسيين الذين كان يطلق عليهم «الأعداء» بل ذكر أيضاً الإنكليز، ويطلق على مجموعهم النصارى وبيَّن مظاهر من حركتهم واستيلائهم على «تنبكتو» إلى ما يقارب سكتو» مما ترتب عنه رغبتهم العارمة في السيطرة على أرض «برنو» و «كاوار» وشروع سياحهم في زيارة بعض الأماكن المذكورة.

وقد أخذت الرغبة الاستعمارية المشار إليها تتأكد بعقد الاتفاقية الأولى بين فرنسا وانكلترا سنة (1308/ 1890 وإبرام الاتفاقية الأخرى بينهما سنة (1316/ 1898) (2).

بل وتلك هي الظروف التي جعلت فرنسا لا تتوانى في الاستحواذ على البلدان الأفريقية، وفي استعمال القوة للتمكين لنفوذها، وقهر كل اتجاه يقاومها وبخاصة الإتجاه الذي كان يمثله القائد رابح ذو السيطرة على تشاد) و «باغرمي، وجزء من كانم))، والذي كانت تربطه بالشيخ محمد المهدي - أستاذ مترجمنا وشيخه - روابط وثقى آنذاك (3). -

وعلى الرغم من ندرة المعلومات حول صلة المترجم بالمجاهد رابح» الأفريقي؛ فإن الظن يجنح بنا إلى القول بأنه كان على صلة وثيقة برابح، بل إنه ربما كان يمثل حلقة تنسيق ووصل قوية بينه وبين الشيخ محمد المهدي في ليبيا.

ومن المعلوم أن الشيخ محمد المهدي أستاذ مترجمنا وشيخه الذي رشحه لهذا الدور الأفريقي توفي - كما تجمع المراجع التاريخية في عام (1320/ 1902).

يتال وقد آلت القيادة قيادة الزوايا الإسلامية في البلاد الليبية وريادة المجاهدين والدعاة في أفريقيا بعد وفاة الشيخ محمد المهدي الذي كان عماداً في ربط العلاقات الليبية الأفريقية إلى المجاهد الشيخ أحمد الشريف (4) فسعى في مسير سلفه بالرغم من الظروف المعوقة التي لابست عهده

(1) راجع في ذلك كتاب الصراع التركي الفرنسي في الصحراء الكبرى» أحمد شلبي الإسلام والدول الإسلامية جنوب الصحراء أفريقية منذ دخلها الإسلام حتى الآن - مصر - مكتبة بالنهضة المصرية،4،1983، عباس حامد «العرب في أفريقيا الجذور التاريخية والواقع المعاصر» لوثروب ستودارد حاضر العالم الإسلامي».

(2) راجع تفاصيل ذلك عند عبد الرحمن تشايجي الصراع التركي الفرنسي في الصحراء الكبرى» وأحمد الدجاني «ليبيا قبيل الاحتلال الإيطالي. (3) ذكر عبد الرحمن تشايجي أن محمداً المهدي عيّن رابحاً بل وظفه بالجهاد ضد الفرنسيين باسم السلطان، المرجع نفسه

ص 160، 161.

(4) الشيخ أحمد محمد الشريف من المجاهدين والقادة المسلمين الذين سيروا حركة الجهاد ضد فرنسا في أفريقيا وضد الإيطاليين في برقة ولد في واحة الجغبوب وسنة (1284 (1867) وتلقى تعليمه بها كما أقام بالكفرة إلى أن انتهت إليه المشيخة بعد وفاة عمه محمد المهدي، فنهض بها خير نهوض بفصل مواهبه العقلية والسياسية، وقد حمل على كاهله عبء الجهاد ضد الطليان كما خاض بعض المعارك ضد الإنكليز في مصر في الحرب العالمية الأولى، ثم تخلى عن المشيخة بعد نشوب الخلاف بينه وبين محمد إدريس، وسافر إلى الإستانة حيث ساند مصطفى أتاتورك في بداية حركته وظل على ذلك إلى أن تنكر له الأخير وأمرت حكومته بإخراجه فحل بالحجاز، ومكث فيها إلى أن توفي عام (1351 - 1933) راجع لوثروب ستودارد «حاضر العالم الإسلامي ج 2: 144 خير الدين الزركلي «الأعلام) جا ص 135 الطيب الأشهب «برقة العربية: 253 وحالي (2)

(act).

-

بتراكماتها، ومن المعلوم أن مترجمنا كان على معرفة تامة بالشيخ أحمد محمد الشريف، إذ كانت

تربطه به روابط علمية وروحية قديمة محكمة، ربما ابتدأت أواصرها إبان فترة التحصيل والطلب في الجغبوب وقد كان الشيخ محمد الشريف الخطابي والد أحمد الشريف - كما هو معروف ـ أحد شيوخ مترجمنا وأساتذته، زيادة عما كان بين جديهما العالمين المصلحين محمد بن علي الخطابي، وعبد الله السني من علائق ووشائج مُحكمة منذ اجتماعهما في مكة وتلقيهما العلم وطرائق الإصلاح عن شيخهما المغربي المهاجر إلى الحجاز ثم اليمن الشيخ أحمد بن إدريس. ولم تكن المواقف التي أبداها الشيخ محمد عبد الله السني في سبيل الدعوة إلى الإسلام ونشره وبث الطريقة الصوفية والقيام بأمر الجهاد الإسلامي في أفريقيا لتخفى على الشيخ أحمد الشريف القائد الجديد بل كانت بلا ريب ملء سمعه وبصره منذ عهد سلفه لذا اعتمده من جديد ليكون شيخاً ورئيساً لزاوية «قرو» وعينه نائباً عنه في أفريقيا، وقائداً للمجاهدين فيها (1) فقام بما رشح له خير قيام، وخاض الحروب الضارية ضد الفرنسيين، وضرب حسبما - قرّر في رسائله ـ مع المجاهدين الأفارقة والمجاهدين الليبيين من قبائل «زوية» و «المجابرة» و «الزنتان» و «قنطرار» المستوطنين فيها (2) وبعض

هذا

أفراد أسرته مثلاً رفيعاً في الدفاع المستميت عن الإسلام ودياره في أفريقيا، وقد أفضى بهم الابتلاء والبلاء إلى الكثير من الأرزاء نظراً لعدم تكافؤ القوى المادية بين الفريقين فأسر نتيجة لذلك بعض أفراد أسرته وظلوا مدة سبع سنوات في الأسر ثم أطلق سراحهم) الأسر ثم أطلق سراحهم (3) ويبدو أن أحوال مترجمنا وأسرته بل المجاهدين الذين كانوا يساندونه ويرابطون معه قد بلغت في عام (1326/ 1908) مبلغاً لا مزيد عليه من العسر والضيق والشدّة يتجلى ذلك فيما أظهرته رسالته المؤرخة بـ 12 من ذي القعدة 1326 والتي أبانت سفره ورحلته من قرو» إلى الكفرة) في ليبيا لاطلاع أحمد الشريف على مجريات الأمور وفظاعتها وصعوبة استمرارية العمل والعيش في تلك البلدان بعد أن اشتدت قبضة المستعمرين الفرنسيين وقبضة الظروف المادية العسيرة، وهو الملمح الذي تكفلت بتصويره رسالته المذكورة التي خاطب فيها شقيقه في ليبيا، وطلب إليه أن يساعده في الخروج من الأزمة بل من الكارثة التي كرثته حيث قال ونحن في غاية التشوق إلى من يرد إلينا منكم ليبشرنا بعافيتكم، ويواصلنا بصلتكم لمزيد الحاجة إلى بركم وإحسانكم؛ فما كنتم نويتموه من الخير إلينا فهذا وقته، لأننا محتاجون إلى كلِّ شيء، ولا نرجو المعونة إلا من الله تعالى ثم منكم؛ لما لا يخفاكم من الشدّة هذه الجهة، ربنا يفرج عنا وعن جميع الأمة (4). في وقد حملت هذه الظروف والملابسات القاسية مترجمنا - اضطراراً لا اختياراً ـ على التخلي

»

332:"

(1) الطيب الأشهب «برقة العربية»: 243. (2) نقلاً عن حفيده الأستاذ محمد أحمد السني وعن مطوية جمعية فردة. (3) محمد سعيد القشاط معارك الدفاع عن الجبل الغربي: (4) رسائل محمد عبد الله السني المحفوظة لدى أسرته. (5) راجع رسالته المؤرخة بـ 12 من ذي القعدة 1326.

219

218