أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

نهض الشيخ محمد عبد الله السنّي في بداية رحلته وإقامته بأفريقيا بدراسة المناطق المختلفة والأقاليم المتعدّدة واستكشاف المجاهل؛ ليعرف طبائعها والمواطن الصالحة للدعوة إلى الإسلام؛ فحل كما جاء في رسالة من رسائله - في كانم من بلاد تشاد، التي التقى فيها كما علي جاء في رسالته المؤرخة بتاريخ 22 من محرم الحرام سنة (1314 (1896) بمهاجرين ليبيين من أولاد سليمان وورفله وقذاذفة ومغاربة وغيرهم.

العالم

ب ومن الطريف أن مترجمنا امتدح في البدء كانم)) ثم عاد في الآخر إلى ذمها في قصيدة من قصائده لما فيها من آفات ومعوقات، ولما لقيه خلالها في بعض الأطوار من الهم والأكدار. فال بيد أنه امتدح «زندر» و «كانو» وأقاليم أفريقية أخرى عدها صالحة للعمل ثم ظهر بعد ذلك الجهد الفعّال منه ومن مرافقيه من الدعاة المصلحين في دعوة الحكام والمحكومين الأفارقة إلى دين الإسلام القويم فقد استجاب لرغبة سلطان (زندر أحمد بن السلطان تنيم بإبلاغه وقومه دين الله (1) كما استجاب في سنة (1315 (1897) لطلب سلطان واداي والمتمثل في أن يرسل إليه وإلى مواطنيه الوثنيين دعاة مرشدين يدعونهم إلى الدين الحنيف (2).

وقد عبر مترجمنا في عبارة صريحة مجلوة عن ارتياحه من تفاعل الحكام والمحكومين الأفارقة مع جهوده حيث قال وقد حصل إقبال عظيم من العرب والعجم، فالكل لدعوتنا مهطعون، ولكلامنا مستمعون، ولأمرنا متبعون ومطيعون وها نحن بصدد الجد والاجتهاد فيما يصلح حالهم، ويؤلف بين كلمتهم المختلفة، ويجبر قلوبهم المنتلفة» (3).

وقد رأى بحصيف رأيه أن الدعوة إلى الإسلام لا يقرُّ لها قرار في تلك الأقطار ولا يمكن أن تؤتي ثمارها المرجوة في أفريقيا في النصف الأخير من القرن الماضي إلا ببناء المساجد والجوامع والزوايا التي يجب تأسيسها في المواضع المتفرقة، وبين القبائل المختلفة لتكون سراجاً وهاجاً لنشر الدين القيم، فأسس زاوية قرو وزاوية واداي وعين كلكا» وزاوية «فايا» وزاوية (4) «برنو» وغيرها من الزوايا والمساجد المشابهة وقد أشار الأمير شكيب أرسلان إلى هذه الفترة الفاعلة التي عني فيها ببناء الزوايا المؤثرة من خلال حديثه عن زاوية قرو» حيث قال عن تأثيرها «قرو عن الوجنقة الكبرى على مسيرة ثلاثة أيام إلى الغرب شيخها الفاضل الأديب سيدي محمد عبد الله السني، أحد دعاة الإسلام في أواسط أفريقيا، أصله من بلاد ستار في الحبشة (5) عباسي النسب» (6).

(1) راجع رسالته المؤرخة بـ 14 من محرم، سنة 1315. رسالته المؤرخة بـ 14 من محرم. سنة 1315.

(2) راجع

(3) راجع رسالته المؤرخة بتاريخ 22 من محرم الحرام سنة 1314. (4) نقلاً عن رواية حفيده الأستاذ محمد أحمد السني.

تفاصيل

2

(5) سنار - كما أسلفنا في السودان وليست في الحبشة كما ورد في كلام شكيب ارسلان قيقه قالها اسمه (1)

C

(6) لوثروب ستودارد حاضر) العالم الإسلامي تعريب عجاج نويهض تعليق الأمير شکيب ارسلان - بيروت دار الفكر، ط 3

ج 2، ص 403.

وتخبرنا رسائله التي اطلعنا عليها أخيراً - كما تقدمت الإشارة - بأنه اتخذ هذه الزوايا والمساجد التي أنشأها في البلدان التي

أقام في ربوعها أو أشار بإنشائها فيها دوراً ومعاهد لنشر العلم

الديني واللغوي الذي تلقاه في موطنه مزده) وفي المعهد الجغبوبي، كما نشر من خلالها الطريقة الصوفية الإصلاحية التي قرّرت المراجع (1) أنها طريقة عملية تحبّب العمل وتزهد في الخمول والتواكل ولم يكن مجهوده مقصوراً على تعليم المسلمين وهدايتهم فحسب، بل امتد ليشمل الوثنيين في أفريقيا الذين دخل منهم عدد غير قليل في الإسلام وبذل الجهد في تعليمهم أحكامه ولغة

قرآنه (2)

(8081

هذه

ونقف في سياق رسائله على ما بذله من جهد في اللقاء بعلماء أفريقيا من أمثال الشيخ محمد مختار الكنتي وعثمان الفلاني الماشي (3) وغيرهما من العلماء، وعلى ما أحكمه من ربط العلائق معهم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وقد نشبت في فترة مكثه المتطاولة في البلدان الأفريقية العديد من الفتن والحروب بين قبائلها وأجناسها نتيجة الجهل القاتم المدمّر، وما توجّجه الدوائر الاستعمارية من ألسنة النيران الماحقة وهو ما تكفلت بعض رسائله بالإشارة إليه (4) والإلماع إلى ما كان من خوفه من تأثير تلك الفتن على منهاجه في الدعوة والإصلاح وعمله الزائب لإيقافها وللمصالحة بين الفرقاء المختلفين، ومن الفتن ذلك الخلاف بين حاكم (زندر) أحمد بن السلطان تنيم، وعظيم كنو» الذي لم يسم لنا اسمه، والذي نتج عنه هلاك كبير في الأموال والنفوس (5). كما جدّت فتن أخرى متتالية صورتها رسائله بدقة نجتزي منها هنا بما كتبه عن إحداها في خواتيم إقامته بتشاد حيث قال مخاطباً أخاه وإن سألتم عنا؛ فقد وصلنا إلى «قرو» سالمين - والحمد لله رب العالمين - بعد أن رأينا من أهوال الفتن ما يضل العقول، ويُكل النقول وقد حمدنا الله على السلامة - على أنه لم تخل مدة الإقامة من نفع من أراد الله به خيراً

(6.

التعلية

ولم تكن المهمة التي أوفد الشيخ السني من أجلها لتقف عند حد الدعوة إلى اعتناق الدين الحنيف والتبشير به والقيام بواجب التعليم والتهذيب فحسب بل تجاوزت ذلك - حسب الماعات رسائله وما ذكره مترجموه - إلى مراعاة الظروف المرحلية الإنتقالية التي طرأت من طرأت من حدة الطموح

(1) راجع كتاب دين ودولة. (2) وقد أشار المترجم به إلى هذا المعنى في بعض المواضع من رسائله التي كان يرسلها إلى شقيقه عبد السلام السني منها رسالته المؤرخة بـ 22 من محرم الحرام سنة 1314.

(3) راجع رسالته المؤرخة بـ الثالث من ذي الحجة (1315 (4) راجع على سبيل المثال رسالته إلى شقيقه عبد السلام المؤرخة بالثالث من ذي الحجة عام 1315 (1897) ورسالته المؤرخة بـ 17 من محرم الحرام 1319 (1901) ورسالته المؤرخة بتاريخ 24 رجب عام 1320 (1902).

(5) رسالته بتاريخ الثالث من ذي الحجة عام 1315 (6) رسالته بتاريخ 24 رجب (1320).

217

216