أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

فلقد قضى ابن عرفة هذا وهو من كبار الشخصيات الإباضية مدة غير قصيرة بغاو

البقدى

ولقد اجتهد لفيتسكي في تحديد المسالك المذكورة بالرجوع إلى الجغرافيين والرحالة العرب القدماء. ولقد تتبع في هذا المضمار جميع ما جاء عند البكري وابن حوقل واليعقوبي والإدريسي وغيرهم، في وصفهم للمسالك الرابطة بين شمال الصحراء الكبرى وجنوبها، وأهم محطاتها التجارية والتاريخية الكبرى، لينتهي إلى رسم طريقين اثنين ربطا بين تاهرت وبلاد السودان. أولهما خط كان ينطلق من تاهرت نحو الغرب ليربطها جنوباً بغاو عبر سجلماسة وأودغست وغانا. وثانيهما ينطلق من تاهرت ليربطها كذلك بغاو عبر ورجلة فتادمكة مخترقاً الهجار (2). ولقد رجعنا بدورنا إلى هذه المصادر، فوجدناها تسمح بإمكانية رسم هذه الخريطة. فاليعقوبي تحدث عن خط يربط بين تاهرت وغانة عبر محطتين تجاريتين مهمتين: سجلماسة وأودغست (3). والبكري وابن حوقل ذكرا أو دغست بوصفها محطة بين سجلماسة وغانة (4). وذهب البكري كذلك إلى أن المسافة الفاصلة بين ورجلة. وتادمكة تقدر بخمسين يوماً وبين تادمكة وغاو بعشرة أيام (5). ولقد قام ابن حوقل ـ الذي جاب بنفسه في منتصف القرن العاشر جانبي الصحراء الكبرى - تفسيراً ممكناً لسر بياض بشرة بني تانماك ملوك تادمكة رغم أن أصلهم من السودان لقربهم من الشمال وبعدهم عن أرض كوكو

(6)

وبالإضافة إلى مختلف هذه المعطيات. فلقد ساق لفيتسكي لتعزيز افتراضه وجود خط تاهرت غاو عبر ورجلة فتادمكة بشواهد اقتطفها من مخطوط السير وأخبار الأئمة لأبي زكرياء يحيى بن أبي بكر الورجلاني تتعلق بانتقال أبي صالح اليدجراني من تادمكة إلى ورجلة في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، ومن مخطوط سير المشايخ الإباضي مجهول تتعلق باستقرار تملى الويسياني أحد

(1)

Lewicki. Tadeusz، «<Traits d'histoire du commerce … »، op. cit، 302 - 03.

ولقد ذكر هذه السفارة ابن الصغير في أخباره عن الأئمة الرستميين: وكان بالبلد رجل يعرف بمحمد بن عرفة وكان وسيماً جميلاً جواداً سمحاً، وكان قد وفد على ملك السودان بهدية من قبل أفلح بن عبد الوهاب». ابن الصغير. أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق وتعليق ناصر محمد وبحاز إبراهيم، دار الغرب الإسلامي، 1986. 21 (2) انظر الخريطة المرفقة (3) كتاب البلدان، طبعة ليدن 1892 359 60 Ed. Goeje. M. J، Leyd

(4) ومن سجلماسة إلى أو دغست شهران [ … ] ومن أو دغست إلى غانة بضعة عشر يوماً»، صورة الأرض. س. ذ، 93. فأما الطريق من أو دغست إلى بلد سجلماسة [ … ] الطريق من وادي درعة إلى الصحراء إلى بلاد السودان [ … ] من بني ينتسر إلى قرية تسمى مدوكن لصنهاجة أيضاً ومنها إلى مدينة غانة أربعة أيام [غزا عبد الله بن ياسين أو دغست وهو بلد قايم العمارة [ … ] وهو كان منزل ملك السودان المسمى بغانة قبل أن تدخل العرب غانة. المغرب في ذكر بلاد أفريقيا والمغرب، س. ذ، 159. 163. 168.14. (5) فإن أردت تسع مراحل. نفسه، 182 - 183.

من تادمكة إلى القيروان فإنك تسير في الصحراء خمسين يوماً إلى ورجلان [ … ] وبين تادمكة ومدينة كوكوا

(6) صورة الأرض، س. ذ. 105.

،

التجار الإباضيين بتادمكة، من حيث كان يرسل زكاته إلى فقراء ورجلة بلده الأصلي. نفس المصدر يتحدث كذلك عن انتقال الشيخ أبي نوح الصغير إلى تادمكة على فرسه العتيق (1).

يتضح من كل ما سبق أن لفيتسكي قد وفق في جميع اجتهاداته لرسم ملامح الطريقين المذكورين وأهم محطاتهما التجارية والسياسية. ولقد حاول تحديد طريق تجاري ثالث يربط هذه المرة شمال أفريقيا وبالضبط طرابلس بكانم من بلاد السودان الأوسط على حوض بحيرة تشاد. وبالنسبة إليه، وبالنظر إلى أن هذا الخط معروف ومشهور منذ القدم، فإنه لم يقدم إلا بعض على دعواه. ولعل أهم ما قدمه في هذا المضمار، هو إتقان أبو عبيدة حاكم جبل نفوسة باسم رستميي تاهرت إلى جانب العربية والأمازيغية للغة أهل كانم: «الكانينبو

(2)

الأدلة

ولم يهتم فقط لفيتسكي بفجر العلاقات التي جمعت بين مملكة الإباضية شمال الصحراء الكبرى وبلاد السودان جنوبها، بل عني كذلك في مقالته: ملامح من تاريخ التجارة العابرة للصحراء» (3)، بتسليط بعض الأضواء على استمرارية هذه العلاقات حتى بعد زوال الحكم الإباضي عن الشمال المذكور. ولقد استثمر في هذا المضمار مجموعة من الشواهد والأدلة التي جمعها مما توافر لديه من نصوص الإباضيين أنفسهم وغيرهم من الرحالة والجغرافيين العرب، بالإضافة إلى مختلف الأبحاث الغربية التي عنيت بالطرق التجارية ومحطاتها على ضفتي الصحراء الكبرى، وبالفعل فلقد رحل كثير من الإباضيين بمذهبهم إلى بلاد السودان من بعدما فشلوا في مواجهة الغزو الشيعي الذي عصف بمملكتهم (4). ورغم أن بعضهم قد اضطر لاتخاذ هذه البلاد موطناً له، فإن ذلك لم يمنعه من الحفاظ على علاقات مختلفة إخوانه بالشمال بل دفعه إلى التشبث بها وتغذيتها مع

(5)

باستمرار.

(1) وذكر أيضاً أبو الربيع سليمان بن موسى بن عمرو أن أبا صالح ساق أجمالاً له من القبلة ليبيعهم في وارجلان. فتزوجت رجلاً نفوسيا قنطرارياً قال فسافر زوجها غانة ثم جاء من سفره

فجعل يسافر إلى تادمكة فبلغ بها مالاً كثيراً … فجعل يبعث من تادمكة كل سنة ستة عشر كيساً». ثم خرج إلى غيارة فوجدهم عراة فلزم بيته حتى مات فيها.

Lewicki. Tadeusz، «Quelques extraits inedits … ». op. cit، 4. 11. 18. 20. «Abû Obaida، [ … ] parlait en plus du berbère et de l'arabe la langue kanimite، soit probalement، le kanembou» Ibid، 310. (2)

Lewicki. Tadeusz، Etudes ibâdites nord-africaines، I ère partie، Varsovie، 1955. 92 - 93.96. Lewicki. Tadeusz، «<Traits d'histoire du commerce>> 304 - 311.

(3)

ويراجع كذلك:

(4) تراجع الإباضية وغيرهم من خوارج المغرب إلى بلاد السودان أمام الغزو الفاطمي. وفي ذلك يراجع: تاريخ الخلفاء الفاطميين بالمغرب. القسم الخاص من كتاب عيون الألحياة الداعي إدريس عماد الدين، تح. محمد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، 1985،162 404، 407، 448، 466

غانة،

(5) ويمكن أن نقدم في هذا الصدد، مثالاً على ذلك، إرسال عبد الوهاب بن غانم الأنصاري لرسالة في علم الكلام من. إلى أبي عمار عبد الكافي التانوتي بورجلة، المتضمنة في الجزء الأول من كتاب أبي يعقوب بن إبراهيم الورجلاني، الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل المطبعة البارونية، القاهرة 1306

،

461

460