أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٢٦

سعيد الفوتي الطوري واجتهاده في علاج المشكلة الطاحنة بين الهوصيين وأهل برنو حتى ألف فيها كتاباً سماه: تنبيه الغافلين عن قبح اختلاف المؤمنين في قصيدة بديعة رائعة تبدأ كل بيت بحرف من حروف آية ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: 9] إلخ وكذلك ما حصل له من التعارف عند المواقف والمشاهد ومثله الفقيه محمد يحيى بن محمد المختار بن الطالب عبد الله المعروف باب الولاتي وما قيده في رحلته وناقش فيه علماء عصره وما حصل له من التعارف.

وبهذا كله وأمثاله نفهم أن الكتب المدروسة للطلبة ما بين كتب العقائد والفقه والأصول والحديث وغيرها نفس الشيء ونفس الخطوات في كل المنطقة وفي كل المحاضر أو المجالس كمثل العقيدة للأوجلي وعقيدة العوام للمرزوقي ومن كتب الفقه أيضاً كالرسالة والأخضري وابن عاشر وشراحها كشرح الخروبي لابن عاشر وغيره وهكذا …

وهذا أيضاً من أهم ما لوحظ في انتشار العلاقة الثقافية بانتشار المخطوطات ونسخها وتجارتها وما يحصل النساخ عليها من الربح الرائج وتبادلها بين العلماء وتعاليقهم المختلفة وتجارة الأوراق التي يكتب عليها التي تأتي من طريق أوروبا إلى ليبيا إلى تنبكتو ولذلك لاحظنا مصاحف بخطوط مختلفة جاءت من أماكن مختلفة.

وأشار إلى ازدهار هذه التجارة حسن الوزان في تاريخه وصف أفريقيا وأشهر ما فيها من عجائب قائلاً: إن ملك ملي كان يحترم العلماء ويساعدهم ويبيع كثيراً من المخطوطات الواردة من بربري والربح فيها رائج جداً أكثر من غيره من السلع.

وقال القلقشندي وكتابتهم بالخط العربي على طريقة المغاربة وقد ورد إلى السلطان الناصر كتاب موسى بالخط المغربي اهـ صبح الأعشى ج 5 - ص 398 - فلذلك أثرت اللغة العربية في اللغات ج 5 المحلية واختلطت بها اختلاطاً كلياً - والدكتور طرخان في دولة مالي الإسلامية ص: 153 وبجانب الاهتمام بالقرآن هناك الاهتمام بلغة القرآن وهي اللغة العربية التي اكتسبت مسحة من التقديس عند مسلمي غرب أفريقيا عامة وكانت جميع الوثائق الهامة تكتب باللغة العربية كما كانت العربية لغة الحكومة والمراسلات الدولية ولغة التجارة أي أنها كانت اللغة السائدة. ويقول تاماس أرنولد: غدت اللغة العربية لغة تخاطب بين قبائل نصف القارة الأفريقية الدعوة إلى الإسلام (الترجمة

العربية).

ويقول ديشان، ولم تكتف قبائل الممالك الأفريقية بدخول الإسلام بل طبعت بطابع عربي بسبب انتشار اللغة العربية في تلك البلاد الديانات في الأفريقية السوداء ص: 132.

ونذكر على طريق المثال: الرسالة التي أرسلها گنكُو موسى لتهنئة سلطان المغرب أبي الحسن سنة 1337 عند أخذه تلمسان ص: 19 (1).

(1) ص: 1 Les grands dates du Malik

السنابات (5)

وهناك أيضاً اهتمام الناس بالعشرينيات الفزازية المعروف عندنا بقاموس المساكين، وكذلك

الشعر الجاهلي، وحفظ القاموس المحيط والمقامات للحريري وغيرها من كتب اللغة كل ذلك جعلهم أدباء ماهرين فأنشأوا قصائد في المواضع المختلفة في الفقه واللغة الصرف والمدح وغيرها حتى كان من يرسم الرسائل باللغة المحلية بالحروف العربية - وهذا كله - بسبب انتشار الأدب العربي جداً، وليس هدفنا الآن الحديث حول انتشاره، لكم على طريق المثال نذكر قصائد البكائي في جميع الفنون وقصيدته الفائقة لأمير المؤمنين مولاي عبد الرحمن (1) وغيره ورسائل الأدباء بينهم ورسائل السياسة والاقتصاد والرد ويوجد منها في المكتبات الجم الغفير. والطرق الصوفية ساهمت مساهمة جبارة في نصب العلاقة وتقويتها بين سكان الصحراء جنوباً وشمالاً وانتشرت جداً والمتمسكون بها اتخذوا العبادة شعاراً لها ولذلك كان لهم أثر في الدعوة إلى الإسلام لأنها كانت السياسة الدينية الحقيقة التي تربّي المرء تربية حقيقية إلهية ربانية وروحية وتنمى بل وتقوى العلاقة الثقافية والتربية المتبادلة وتساعد على التلاحم الاجتماعي وتشجع على التمسك الحقيقي بالدين والإذعان لأوامره وهي المدرسة الفاتحة التي لا حدود لها وتقبل جميع الأجناس والقبائل والشعوب وتجمعهم في دائرة الاعتصام بحبل الله متزوّدين بالتحلي والتخلي والتجلي بل هي النواة الوحيدة التي تربط بين المريد وشيخه ومن هذه الروابط تتولد الروابط القبلية حتى يكون الساكنون كالجسد الواحد فلذلك لاحظنا أن للتصوف أثراً ملموساً كان من هذه الطائفة رجال كرسوا حياتهم وباعوا أنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته لا مرضاة الناس ولم يبخلوا بوقت في سبيل الخير والتعاون على البر والتقوى ووجود أمثال هؤلاء في المجتمع نعمة كبرى بل ومن أكبر النعم التي أنعم الله بها على هذه الأمة ولا يزال الإسلام في خير ما دامت الصوفية حيّة ويقودها رجال متفقهون

متثقفون متصوفون ومحققون.

وأشهر الطرق الصوفية الطريقة القادرية بواسطة الشيخ المغيلي وغيره كما في الإجازات ثمّ الشيخ سيد أحمد الرقادي وهكذا إلى الشيخ سيد المختار الكنتي ومن طريقته تفرعت القادرية المختارية والقادرية البكائية ثم الطريقة الشاذلية والزروقية والرجاعية والدرديرية والجزولية الشاذلية والسنوسية والتجانية إلا أن من هذه الطرق ما انتشر جداً في بعض المناطق دون بعض كالطريقة السنوسية المعروفة بالطريقة السنية لمحمد السنوسي أسسها في ليبيا وكان له زاوية في مكة في العشرينات من القرن التاسع عشر وكانت الزاوية الكبرى في صحراء ليبيا ثم انتقل إلى الكفرة جنوب غرب الصحراء فهذه الطريقة مشهورة جداً في ليبيا واتشَاذ وشمال نيجيريا وهي تنتمي أيضاً إلى أحمد بن إدريس الفاسي وكذلك محمّد عثمان المرغني وأصله من مكة لكنه تتلمذ على أحمد بن إدريس وأرسله إلى السودان ومن هنا أسست الطريقة الختمية. والتجانية انتشرت إلى جنوب الصحراء إلى مالي وغينيا والسنغال والنيجر وغمبيا وغيرها

(1) قصيدة الشيخ سيد أحمد ألقاها في مدح أمير المؤمنين مولاي عبد الرحمن بن مولاي سليمان مخطوط رقم 12498.

((5)

10

51

50