أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء مجموعة مؤلفين

أعمال ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الصحراء، أو منطقة الساحل الأفريقي إذ نجدها تتكون من أربع ولايات كبيرة هي: كوار، وبرنو، وباقرمي ووادي. وكان لكل ولاية وال يحكمها باسم السلطان الكانمي، ويتلقى الولاة الأوامر والتوجيهات من السلطان تماما جالب ايله جالس امامه بينالي ويساعد الوالي عدد من الموظفين كالقاضي والمفتي وأمين سر الوالي ورئيس الخدمة وأمين بيت المال ومدير الشرطة ومدير البريد، وغيرهم. الة وتنقسم كل ولاية إدارياً إلى كور ومناطق ودوائر ويرأس كلاً منها أمين أو عقيد يخضع في ظل العلاقات المعهودة للنظام السلطاني. وعليه أن ينفذ الأوامر والتعليمات التي يرسلها إليه والي الولاية الامة العلا

السكان نظاماً

،

له

ومن اختصاص مجالس الولايات والكور والمناطق والدوائر النظر في مصادر ومصارف بيت المال، والنظر في التدابير الخاصة بالأمن وتقسيم التكاليف المفروضة على الأفراد والجماعات والقرى، وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالمصلحة العامة وكان لكل حرفة رئيس ينوب عن جماعته في الاتصال المباشر بالإدارة الوصية دون تدخل أي طرف آخر في أعمالهم الحرفية. وللولاة الحربية في إنشاء أجهزة إدارية ومؤسسات إنتاجية تابعة لهم.

وعلى الرغم من أن السلطان الكانمي كان يتمتع برئاسة مجلس الوزراء ومجلس الشورى والمجلس العسكري، فإنه لم يكن في الواقع حاكماً مطلقاً، إذ لم يكن في استطاعته أن يتجاوز حدود الشريعة الإسلامية فقد كان عليه قبل أن يتخذ أي مرسوم هام أن يحصل على فتوى من مفتي المملكة. فكثيراً ما أدى رفض المفتي إلى تراجعه والعدول عن مراسيمه ومشروعاته. وكان تصريح المفتي بأن السلطان لا يحترم الإسلام كفيلاً بالتمهيد لخلعه وإثارة الناس ضده فهيئة كبار العلماء التي يرأسها المفتي كانت هيئة مستقلة وليس لها الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤون المملكة، ولكنها تلزم السلطان والأمراء والوزراء والولاة وعامة الناس بعدم مخالفة الشريعة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى استتباب الأمن والمرونة الإدارية والرقابة المعنوية.

أما فيما يتعلق بالعمران فقد ظهر البناء بالطوب الأحمر المحروق في قصور السلاطين والأمراء وكبار التجار والأعيان وفي المساجد منذ القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. ويمكن أن نسمي الأسلوب المعماري بالطراز المغربي، وهو يمتاز باتساع الفناء وكثرة الأعمدة والدهاليز. ويبدو أن تأثير الحضارة الإسلامية واضح في المدن التي نظمت من تخطيطها لتلائم حياة المجتمع الإسلامي وفي بناء المساجد أفقياً، وتنظيم المتاجر والمخازن حولها وإقامة أجنحة خاصة في كل مسكن لاستقبال الضيوف. وكان يغطي سقف وجدران قصر السلطان بالجوخ الأخضر، وتفرش الغرف والقاعات والممرات بالزرابي الثمينة النادرة المستوردة من طرابلس والقيروان وتلمسان والقاهرة ومكة المكرمة. ويصنع العرش من الأبنوس، حيث يبلغ طوله مترين وعلوه متراً واحداً، وتوضع على جانبيه وسادتان من الجوخ الأخضر أو الأحمر محشوتان بريش النعام والقطن.

ويرتدي السلطان عباءة أو برنساً من الجوخ المزركش ويلف على رأسه عمامة كبيرة يتلثم

،

بجزء منها، وعند خروجه من القصر لصلاة الجمعة أو العيد يلبس عدة الحرب ويصطف الحرس على الطريق الممتد من القصر إلى المسجد أو الساحة، ويظل الحرس واقفاً إلى حين عودته من الصلاة.

خاتمة. .

في تقدير الباحثين والدارسين للعلاقات العربية الأفريقية في العصور الماضية يحتل العرب والأمازيغ دوراً رئيسياً في التاريخ الأفريقي وتحدوهم لذلك أسباب عديدة من بينها الامتداد الجغرافي والتمازج الاجتماعي والثقافي والتفاهم السياسي والتكامل الاقتصادي في مختلف العصور خاصة في منطقة الساحل.

ومما لا شك فيه أن مجرد إلقاء نظرة واعية في العلاقات العربية الأفريقية قبل القرن التاسع عشر الميلادي، تتضح لنا بجلاء المعالم الرئيسة لطبيعة تلك العلاقات ومدى الازدهار الذي اتسم به التاريخ العربي الأفريقي. وإذا كانت الحقائق التاريخية تؤكد لنا ما اقترن به تاريخ العلاقات العربية الأفريقية من خير وود وازدهار قبل القرن التاسع الميلادي، فما أحوج هذه الشعوب وهي على وشك الدخول والولوج في القرن الحادي والعشرين أن تعيد وصل ما حرص المستعمر على فصمه في القرنين التاسع عشر والعشرين من وشائج الصلات الأخوية.

،

فالعلاقات العربية الأفريقية عموماً وفي منطقة الساحل الأفريقي على وجه الخصوص تعد في مقدمة الوسائل التي ينبغي توجيه الاهتمام إليها وتكثيف الدراسات العلمية من أجلها بهدف وضع الحلول المناسبة للتعاون البناء وهذا الاهتمام في اعتقادنا لا يشكل ظاهرة سياسية واقتصادية عارضة، وإنما هو عودة طبيعية ومنطقية إلى الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية التي كانت قائمة ما قبل التاريخ والتي لعبت فيها قوافل الصحراء التجارية دوراً كبيراً في مختلف العصور. فالصحراء الكبرى التي تقارب مساحتها ثمانية ملايين كيلو متر مربع لم تكن خالية من الظاعن والقاطن بل ربما كانت المنطقة الأكثر ازدهاراً وحركة وملاءمة لحياة الإنسان. وكانت القبائل العربية والأمازيغية هي المكونة لكل نواة سياسية وحضارية ظهرت في منطقة الساحل الأفريقي لسيطرتها الكاملة على الحركة التجارية والثقافية والطرق التي كانت تربط بين آسيا وأفريقيا عبر سيناء والبحر الأحمر من جهة وبين منطقة الساحل الأفريقي والمدن التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى وقد ذكر ابن خلدون في العبر وديوان المبتدأ والخبر أن عدد القوافل التجارية التي عبرت الصحراء الكبرى في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي الثامن الهجري، بلغ اثنا عشر ألف قافلة، وتضم كل قافلة في رحلتها 400 جمل، وحوالي 300 من التجار ورجال الأعمال والمرافقين.

وهذا يبرهن على البعد التاريخي للعلاقات العربية الأفريقية، كما يبرهن أيضاً على التكامل السياسي والاقتصادي والثقافي بين بلاد المغرب ومنطقة الساحل الأفريقي.

77

76