الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٠ومنهم الشيخ أبو زكريا فصيل بن أبي مسور، الذي كان يفكر في مخرج من هذا الوضع المحرج، فاستخار الله تعالى في الأمر وكرّر وألح على الله، إلى أن هداه الله إلى الاستعانة- وهو في كبره - بتلميذه الذي توسم فيه الخير، وهو في ريعان شبابه ومنتهى قوته، ألا وهو أبو عبد الله محمد بن بكر الفُرْسُطَائي، فضحى بأغلى ما وهبه الله له من زينة الحياة الدنيا فأرسل إليه فلذتي كبده، زكريا ويونس وابن أخيه أبا بكر بن يحيى وغيرهم من أقاربه في جماعة من الطلبة لحله على إيجاد نظام يجمع به شمل الإباضية. في حين كان أبو عبد الله ينوي الاستزادة من العلوم متوجها من القيروان إلى تاجديت.
خرج الطلبة، محتسبين الله ومتوكلين عليه، فصادفتهم كرامات في طريقهم، منها أنهم خرجوا من جربة متوجهين إلى الجهة التي يرجون أن يجدوا فيها أبا عبد الله وهم في ذلك لا يعلمون له مستقرا فمروا بجبل تمولست مرور الكرام، وكان بها بقيّة عائلة وحيدة على دين المذهب فيهم يصليتن، عم الفقيه سليمان بن يخلف (?) ونساء وأطفال، فسمع بهم الشيخ يصليتن فأرسل إليهم وعزهم في الخطاب، وبعد إلحاح شديد ساعفوه وأقاموا لديه أياما يتعارفون بأهله ومن معهم من بقيّة الإباضية هناك.
وَدَّعوا أهل تمولست واتجهوا صوب تقيوس، فصادفوا قدوم الشيخ أبي عبد الله، فقصرت عليهم الخطى وقرَّب الله لهم ما كانوا يضنون أنّه بعيد، وذلك تيسيرا من الله بما أدخلوه من سرور على الشيخ يصليتن وأهله.
فلما جَمَع الله شملهم بأبي عبد الله أعلموه بما جاؤوا من أجله وما وصاهم به أبو زكريا، فرغبوه في ذلك وألحوا في الطلب.
لكن الشيخ امتنع كل الامتناع، ذلك لأسباب عدة منها أنّه لم يكن ينتظر مثل هذا الفرض العيني عليه، في هذا الوقت بالذات، الذي هو منشغل فيه بالاستزادة من علوم اللغة خاصة، ولو أنه في رأي الباحث فكرة جمع شمل الإباضية لم تفارق ذهنه، شأنه في ذلك شأن كل المشايخ الإباضية، فقد يكون أرجأها إلى حين، فالمسؤولية كبيرة والإباضية منتشرون في ربوع شمال
(?) هو سليمان بن يخلف المزاتي، ت ????/5471م. م. أ. إ، تر: 472.
???