ديوان ابن بحمان
الجزء ١ · صفحة ١١٨ديوان بن عجمان -
232
ديوان بن محمان -
233
فَإِلَى مَن سَدَّدَ المُلكَ وَشَيَّدَهُ وَجَدَّ فِي نُصرَةِ الدِّينِ وَأَيَّدَهُ، وَدَبَّرَ الأُمُورَ عِندَكَ اليومَ مِن أولادنَا مَحبُوسُونَ، وَالذينَ هُم عِندَنَا مَحصُورُونَ، فَنَحْنُ أَرَدْنَا أَن
وَأَحكَمَهَا، وَأَتقَنَ عَوَاقِبَهَا وَأَبْرَمَهَا، وَأَنَامَ عَبِيدَهُ فِي سُندُسٍ أَمَانَهِ وَأَردِيَةِ عَوَاطِفِهِ،
نُوَجِّهَهُم إِلَى خِدمَةِ الصَّنَائِعِ وتَعميرها، والقيام بحُقُوقِهَا وَالتَّدبِيرِ عَلَيْهَا، إمتتالاً لأمرِكَ، وَسَمَعًا وَطَاعَةٌ لَكَ، عَلَى مَا أَمَرْتَنَا بِهِ فِي مَكتوبِكَ الشَّرِيفِ، وَخِطَابِكَ
وَأَسَالَ عَلَى حَدَمِهِ أُودِيَةٌ مِن بُحُورٍ عَوَارِفِهِ، وَقَد حَقَّ لَهُ الملك والتَّدِبِيرُ حَتَّى سَادَ في إعلاء الدِّينِ، سُلطَانُ سَلاطين الإسلام والمسلمينَ ظِلُّ اللَّه تَعَالَى عَلَى الخَلَائِقِ المنيف (1)، فَلَم نَحِد سَبِيلاً إِلَى ذَاكَ، وَلاَ لَنَا دَلِيلٌ سِوَاكَ، فَهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ قَد بَدَّلُوا
أَجْمَعِينَ، وَرُكنٌ شَدِيدٌ للعَالَمِينَ، السُلطَانِ الغَالِي، الهُمَامِ العَالِي، الأمير الأسعد، المليك الأبجد، العَظيمِ القَدرِ الكَرِيمِ النَّجرِ، الحَامِي الدِّمَارِ وَالحقيقة، الماحي للكفر،
وَغَيَّرُوا وَخَالَفُوا السُّنَّةَ وَحَوَّلُوا، وَقَلَبُوا ظَهرَهَا لبطنها، وَجَعَلُوا عَالِيهَا سَافَلَهَا (2)،
وَلَم يَترُكُوا لدين الله تَعَالَى حُرمَةٌ، وَلاَ عَهْدًا وَلاَ ذمَّةً وَلَا همَّةٌ، إلا قتلَ عِبَادِ الله من
النَّاصِرِ للشَّرِيعَة الرَّافِعِ مَبَانِي العَدلِ والإِنصاف، الهَادِمِ قَوَاعِدَ الظُّلْمِ وَالاعْتِسَافِ، غَيْرِ حَقٌّ وَالإغارَة عَلَيهِم ونهب أموالهم (3)، إن هُم إِلا كَأَنعامهم)، فَأَرَدْنَا مِنكَ يَا مولانا، أَن تَأخُذَ حَقْنَا مِنهُم وتُدَمِّرَهُم تَدميرًا، فَإِنَّهُم فِي قَبضَتِكَ، وَتَحتَ حُكمك،
مَن
خَلِيفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي الأَنَامِ، مُغِيثُ المُسلِمِينَ وَالإِسلام، نَخَصُّ بِهَذَا الخِطَابِ دَانَت إِليه رقابُ أُولِي الأَلْبَابِ، سَيِّدَنا وَمَولانَا حَسَنًا الجَمِيلِ، الدُّولا تلي الجَلِيلِ وَلَا يَستَعْنُونَ عَن تل مِن تُلُولِكَ، فَأَنتَ المُدَبِّرُ عَلَيْنَا، وَالنَّاصِرُ إِلَيْنَا، وَلَا مَلجَأَ من الله
الذي هُوَ غُرَّةُ وَجهِ اللَّيَالِي، وَبَدرٌ نَيّرٌ في التعالي، نبرَاسُ الهُدَى وَمِصْبَاحُ الدُّجَى، الأَعز العارف، الأكرَمِ الصَّارِفِ البَاطِلَ عَنِ الحَقِّ بِالتَّحقِيقِ وَالصِّدْقِ، لَأَزَالَ بِعَينِ الرِّضَى مَلحُوظًا، وَمَن جَمِيعِ الآفات مَحفُوظًا، وَلَا بَرِحَت أَيَّامُهُ مُنتَظمَةٌ، وَمَحَاسِنُهُ مُلتَميَّةٌ، وَمَحَامِدُهُ مَذْكُورَةً، وَمَسَاعِيهِ مَشكُورَةٌ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَعَلَى مَن
إِلا إِلَيهِ وَإليك (5)، فَتَفَضَّل عَلَيْنَا بِقَضَاءِ الحَوجَاءِ، بمَا فَضَّلَ اللَّهُ عَلَيكَ، لأَنَّ الْمُكَافَات عَلَى الإِحْسَانِ مَأمُورَةٌ شَرعًا وَلَو بِاللَّسَانِ، فَمَا ظُنُّكَ بِأَمْثَالِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا أَمَدَّكَ بالأنعَامِ، وَفَضَّلَكَ عَلَى الْأَنَامِ، إِلَّا لِذَلِكَ.
فَعَدَلَتْ عَمّا هُنَالِكَ مِنَ المنثور إلى المنظوم، لِكُونِ مَيلِ النَّفْسِ إِلَيهِ ضَرُورَةٌ مِنَ تُحيطه عنايتُكَ مِنَ الكاتب والوزيرِ، سَلَامًا يُحَاكِي سُمُوطَ الفَرَائِدِ، وَيُضَاهِي بُدُور المعلُومِ، فَقُلتُ مِن البَحرِ الأَوَّل المُسمَّى بِالطَّوِيلِ الكَثِيرِ الاستعمالِ بِعَرُوضِهِ اللَّازِمَةِ الدَّجَى وَعُقُودَ الخَرَائِد، مَحْتُومًا بمسك وزنجبيل، مِزَاجُهُ مِن تَسنِيمٍ (1) وَسَلسَبِيلٍ، مَا القَبضِ وَضَرِبهَا الْمُمَاثِلِ لَهَا:
هَبَّ نَسيمُ الصَّبَاءِ، وَلَاحَ بَرقٌ فِي السَّمَاءِ، مِن المُسَلَّمِينَ عَلَيكَ بِالعَشِيِّ وَالإِبكَارِ، السَّائِلِينَ عَن أَحوَالِكَ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ، حَدَمِكَ وَعَبِيدِكَ جُمُوعُ بَنِي مُزاب، عَامَّتِهِم وَخَاصَّتِهِم ذَوِي الأَلْبَابِ، هَذَا وَإِنَّنا يَا سَيِّدَنَا وَمَولانَا، أَرَدْنَا أَن نَسْتَكِي إِلَيْكَ مَا حَلٌّ بِنَا مِن جَهَة الأعدَاءِ الكَفَرَةِ المَشْهُورِينَ بِأَولاد صالح الفَجَرَة، فَإِنَّهُم مَرَّةً غَيْرَ أُخرَى قَتَلُونَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَنَا وَسَلَبُونَا، بِظُلْمٍ وَجُورٍ وَبَاطِلٍ وَزُورٍ، وَقَد جَاوَزُوا الحَدَّ فِي ذَلِكَ، حَتَّى سَدُّوا السُبُلَ وَحَالُوا بَينَنَا وَبَينَكَ، فَالذِينَ هُم
1 - اقتباس من قوله تعالى: ومزاجه من تسنيم). [المطففين: 27].
4
1 - يقصد الشيخ هنا الرسالة التي وجهها الداي حسن إلى جموع بني مزاب يطمئنهم فيها من جهة صالح باي، ولعل الداي قد حثهم على المواصلة في امتهان حرفهم المعهودة وشجعهم على ذلك، حين ذكره الشيخ في رسالته
إليه يشتكي على لسان قومه من ظلم واعتساف الباي صالح ويذكره فيها بالغرائم الباهضة المتلاحقة.
-3
2 - اقتباس من قوله تعالى: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود) [هود: 86]. هي حقيقة واقعة، تتعرّض لها قوافل بني مزاب وفي كتب سيرهم أخبار كثيرة عن هذه الحوادث التي يقع السلب فيها بل حتى القتل والسبي. ينظر الحاج سعيد يوسف، تاريخ بني مزاب، ص 47. اقتباس من قوله تعالى: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام بل هم أظل سبيلا [الفرقان: 44]. إن هذا الاقتباس كما يحوي قدحا فهو أيضا يشير إلى حرفة الرعي التي ربما كانوا يمتهنونها إلى جانب السلب، ذلك أنّهم على سهول خضراء تصلح للرعي فعلا.
5 - اقتباس من قوله تعالى في سورة [التوبة: 118]، وقد سبق الإشارة إليها.