ديوان ابن بحمان: الشيخ إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي المتوفى سنة 1232هـ/1817م إبراهيم بن عبد الرحمن الثميني اليسجني المصعبي

ديوان ابن بحمان

الجزء ١ · صفحة ١٣٢

ديوان اين مجمان

260.

عساكر الترك التي لا حد لها، ووقف لهم مدافعا عن كل شبر من ترابه الكريم الذي يرى فيه بطولات أجداده، ومنبت، شبابه وأحلام أبنائه، مُعتزا بإسلامه وبوطنيته مثل كل الوطنيين، غيورا على دينه ومجتمعه آثر الإخلاص لربه عن التزلف للدايات وأصحاب السلطان، ولو شاء الجلوس إليهم لاشك أنه سيكون من خاصتهم ومقربيهم، فبقي بذلك قلم شاعرنا جزائريا محضا نزيها ومنتقدا.

وفي مجال التأليف انبرى للكتابة دون قيد أو شرط فلم يكن للشيخ إبراهيم طلبة يُملي عليهم، أو كتابا يشتغلون بنسخ مخطوطاته رغم معاصرته للعديد منهم وازدهار حركة النسخ في وقته بشكل كبير، إذ كتب الشيخ كل كتبه بخطه، ووقعها بنفسه كذلك، إلا ما صار متداولا بعده بكثرة كبُردته البديعة التي تدل على ذيوع صيته في عصره، ومصره، وقد تجاوزت مؤلفاته على ما وصلت إليه أزيد من عشرين مؤلفا متنوعا يعرض فيها شتى العلوم والفنون النثرية والشعرية. لقد كانت هذا باختصار خلاصة لأهم ما يمكن الوقوف عليه في ديوان ابن بحمان أو آثاره الشعرية دون أن أنسى حجازيته البديعة في أدب الرحلة ثم بردته في مدح النبي محمد له الا الله وغيرها كثير، وقد حاولت من خلال دراستي إبراز بعض خصائصه الفنية المتنوعة، مثل المحافظة والتدبيج والتذييل والتضمين والاقتباس، وقد مثلت لها في أثناء حديثي عن الخصائص الفنية، وهناك ما لم أمثل له وللقارئ المتذوق أن يلمسه كطول النفس والعاطفة والموسيقى .. وغيرها كثير. الله لم يكن الشيخ ابن بحمان ليتوفى بسنتين حتى قيض الله لبني يسجن ومزاب والجزائر والعالم الإسلامي علمًا آخر يخرج للوجود ويرى النور في بني يسجن، مدينة العلم والعلماء، يصبح بعد وفاة شاعرنا ابن بحمان بسنوات، طودا آخر من أطواد مزاب والجزائر حاملا لمشعل العلم، والحق يسير على خطى الشيخ ابن بحمان في الموسوعية العلمية والتأليفية، ويبلغ صوته الآفاق، إنه قطب الأئمة الشيخ يوسف بن امحمد أطفيش رحمه الله الذي سار على خطى الأفضلي أبو زكرياء يحي بن صالح وضياء الدين عبد العزيز الثميني، وشيخنا ابن بحمان في محاربة الظلم والفساد وأحيا العلم الذي كاد يندرس بموت العلماء الأعلام،

ديوان اين مجمان

261

ودافع بقلمه الجليل عن دينه ووطنه من خلال مراسلاته وردوده المختلفة، وألف في المعقول والمنقول ما عجز عنه مؤلفوا عصرنا الحاضر. لقد وجب علينا نحن المسلمين مشرقا ومغربا أن نقوي صلتنا بتراثنا وأمجادنا الغابرة، ومن هنا تأتي ضرورة نفض الغبار عن تراثنا المخطوط، بحفظه وتنظيمه، وفهرسته، والتعريف به من خلال دراسته والوقوف على كل ما كتب فيه، وتوجيه الأجيال للتمسك به ونحن نتجه للدخول في العولمة، حتى نفيد إيجابياتها إن وجدت ونتقي مضارها وسلبياتها التي تلقي بظلها الخطير على هويتنا الإسلامية والوطنية ولا خوف على ثقافتنا الإسلامية في جميع الأحوال عندئذ، لأنها ثقافة كبرى في تاريخ البشرية تؤهلنا لأداء دور جديد في هذا التاريخ وصنع فكر إنساني جديد.

إن الاهتمام بالتراث الوطني هو حفاظ على الهوية الوطنية من الضياع والذوبان في هوية الآخرين أو هوية سوق العولمة التي لا تحترم الهويات القومية والوطنية ولا خصوصيات الشعوب فارضة السيطرة العالمية للنظام الرأسمالي بحيث يصبح الاندماج المطلق فيها أو الانعزال المطلق عنها كلاهما انتحار حضاري. إن التراث المخطوط الذي يحوي كنوز مؤلفات علمائنا السابقين وإبداعاتهم وعطاءاتهم الفكرية الخلاقة في جميع مجالات العلوم والآداب والفنون لهو خير حافظ لنا من الذوبان في حضارة الآخرين، فعلينا إذن نفض غبار الزمن عنه وإعطائه من الرعاية والعناية ما يستحق مدركين أن حماية التراث هو حفظ للذاكرة ونقل للتجارب الإنسانية الرائدة.