في رحاب القرآن: الإمام الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، القسم الأول: مهرجان ختم تفسير القرآن الكريم مجموعة مؤلفين

في رحاب القرآن - مهرجان ختم تفسير القرآن

الجزء ١ · صفحة ٥٦

هناك يندم ولات ساعة مندم، اما العاقل الموفق فيتخذها مطية الى مقره الدائم كما شأن فقيدنا وذلك هو الفوز المبين هو

في

مختلف ميادين الحياة ما يزيد عن ستين سنة في جهاد مستمر وعناء لا يشبهه عناء لم تفتر له همة ولا نكست له راية ولا انغلقت في وجهه وجوه المطالب بل ظل يشق طريقه مندفعا نحو هدفه الأسمى من نصرة الدين والسعي بالأمة الى حسن المصير. - لقد كان رحمه الله عصاميا في تكوين شخصيته العلمية لم يفارق مسقط رأسه في طلب العلم ولم يرحل ككثير من زملائه وطلبته الى الخارج كتونس ومصر وسوريا

في هذه اللحظة الرهيبة أقف وأنا كئيب النفس مكلوم الفؤاد لاشارك اخواني الكرام في احياء ذكرى عزيزة ذكرى أحد أفذاذ القرون الذين أطلعهم الله في هذا الكون شموسا تضئ سبيل الله للسالكين يحيون ما أماته الجهل ويجددون ما انطمس من معالم الحق ويقيم الله بهم الحجة على الخلق أجمعين، ذكرى عالم الاسلام الامام بيوض والعراق. لكن الله بارك له في القليل الذي تلقاه عن أشياخه بمسقط رأسه وساعده ابراهيم بن عمر تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته. كان فقيدنا من مواليد القرارة لسنة 1899. نشأ في بيت فضل ونبل وبدت عليه مخايل النجابة من أول ولازم سنين مجالس العلماء في هاتيك الأقطار فضلا من الله ونعمة نشأته فأدخل الكتاب (المحضرة) وحفظ القرآن الكريم واستظهره ولما يبلغ الحلم. تلقى معلوماته الأولى على شيوخ القرارة يومئذ: الحاج ابراهيم بن عيسى البريكي - ابي العلا عبد الله بن ابراهيم - الحاج عمر بن يحي. في فترة تمتد من 1910 الى 1921 قضى

استعداده وعبقريته فبلغ من العلم مكانة سامية لم يبلغها كثير ممن عقد اليها الرحلات

- درس أمهات الكتب في شتى العلوم كصحيح البخاري بشرح ابن حجر في الحديث - ودلائل الاعجاز في البلاغة - وأمالي القالي في الأدب - ومغني اللبيب في النحو - وتهذيب المنطق في علم الميزان - وعظة الناشئين في الاجتماع وكتاب النبل في الفقه

معظم هذه المدة جنب شيخه الأخير الحاج عمر بن يحي وفي مدته بدت بواكيره وطلعة الشمس للسالمي في أصول الفقه - ورسالة الشيخ محمد عبده في التوحيد - فتعشم فيه شيخه أنه سيكون الامام المنتظر الذي تنتهي اليه رئاسة العلم لذلك أسند درسها بأسلوب جذاب وتحقيق في عمق واستدراك وتعقيب في اتزان، فكان بدعا في اليه بعض الدروس وهو بعد في دور التلمذة. أدرك فيه زملاؤه هذه المزية فالتفوا حوله يوم مات شيخهم.

وفور عودتهم من جنازته جمعهم وقام فيهم خطيبا وحثهم على مواصلة السير كأن الشيخ لم يمت، فهناك تلقى الراية باليمين وواصل عمل شيخه بجد وكفاءة، فأخذت

أسلوبه وعمق تفكيره وفتح مغلقاتها وبيان أسرارها وعلى رأس هذه الكتب كتاب الله العزيز فقد أولى لتفسيره عنايته الكاملة ما يقرب من نصف قرن فأبقى لنا ثروة أدبية غالية وذخيرة علمية مسجلة عالية لا تقدر قيمتها ستكون مفخرة للجيل وذكرا للجزائر وأبنائها متى أتيح له طائفة من أبنائه الروحيين يدونونه وينشرونه وانهم

شخصيته العلمية تظهر شيئا فشيئا حتى أصبح امام الجيل حقا كما تفرس فيه شيخه. لفاعلون ان شاء الله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ومما يدل على مقامه لدى شيخه واعتباره كالعمود الفقري لمعهده أنه لما حاول أبوه ومما دفع بعجلته الى الأمام أن توارد عليه أثناءها أفواج من أذكياء الطلبة كانوا له ارساله الى الخارج لطلب العلم اعترضه شيخه قائلا: اما أن تبقي معي ابراهيم واما أن بذكائهم ومحاوراتهم نعم المحفز ومن أكبر العوامل في ابرام ما كمن فيه من نبوغ أغلق معهدي ولا منزلة بين المنزلتين: فعدل عن إرساله نزولا على حكم الشيخ

وعبقرية

- حباه الله بشتى المزايا: خلق كريم وعلم واسع وعقل متزن وفكر وقاد وحافظة - رابط في ثغر العلم وصبر وصابر حتى تخرج عليه أفواج متعاقبة من نبهاء الطلبة قوية الى لسان فصيح معبر وقلم بليغ مقرر الى المعية تريه العواقب في أثناء فكرته فيهم المعلم المربي، والمؤلف، وفيهم الواعظ الداعية الى الله، وفيهم الكاتب والشاعر

الى حظ يدني البون الشاسع ويفتح له كل باب مغلق وليس على اللـ ه بمستنكر

أن يجمع العالم في واحد سخر هذه المزايا في تحصيل العلم ونشره وغرس الفضيلة وتربية الجيل وخدمة الأمة

وفيهم المصلح الاجتماعي الذي تدور على محوره شؤون قومه. سد بهم مراكز الحياة في الأمة وأمد بهم معاهد العلم هنا وهناك فكانوا امتدادا لحياته العلمية ومددا لحركته الوطنية الاصلاحية يرددون صداه وينصرون فكرته الاصلاحية وعونا له في أداء رسالة الجيل. طعم نفوسهم بمياديء الوطنية الحقة وصقلها بآداب الاسلام العالية

- 111 _

- 110_