الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١6
بلاد المسلمين فى المشرق والمغرب من الأخطار الغربية الداهمة، ومن أحقاد الروح الاستعمارية الأوروبية الظالمة، تلك الأحقاد التي تأججت نيرانها وقوى أوارها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي المرحلة التي عاشها هذا المجاهد الكبير. لقد تصدى جدنا سليمان بن عبدالله الباروني بتوفيق من الله تعالى مثل الصفوة المباركة من العلماء ودعاة الإسلام من معاصريه في ذلك الظرف التاريخي بل في ذلك المنعرج الخطير الذي تنمرت فيه أوربا، واكتسحت بجيوشها المدججة بالعتاد والعدة وأساطيلها الضاربة لهذا الغازي الحاقد، وليس بقلمه السيال الذي مثلته مقالاته الكثيرة الحامية وأشعاره القوية اللاهبة فحسب، بل بخوضه غمار الحروب بسلاحه، وركوبه المستمر الأخطار في ميادين القتال بصياله، إلى أن ضرب من المثل بين قادة المجاهدين، وقاتل حجافل الغزاة الإيطاليين المعتدين صوناً لأراضي وطنه ليبيا الذي أحبه، وتفانى طوال حياته الذود عنه وحفظه، بل أقسم أمام الله والمجاهدين المخلصين، والناس أجمعين ألا يحلق شعر رأسه إلا بعد انتصار هذا الوطن على أعدائه.
على أن جدنا سليمان الباروني -رحمه الله -تعالى- كان كما جاء في أبحاثكم ومداخلاتكم أيها العلماء الشرفاء أمة وحده، فكما أسهم رحمه الله في
ميادين الجهاد الفعلية في وطنه ليبيا، بجرأة قلبه، وصدق إيمانه وحسن احتسابه أسهم أيضاً كما هو معروف فى الاهتمام بقضايا الإسلام، وقضايا الأمة الإسلامية جمعاء، من خلال كتاباته الكثيرة في الجرائد والصحف العربية والإسلامية الصادرة في ديار الإسلام منذ أوائل القرن العشرين إلى تاريخ وفاته سنة 1940 م، فكتب كما ذكرت أبحاثكم الجادة في صحف مصر وسوريا والعراق وليبيا وتونس والجزائر وغيرها في قضايا حيوية كانت تهتم آنذاك الإسلام والمسلمين.
كذلك صور الشيخ سليمان الباروني بشعره المجموع في ديوانه لوحات صادقة ومعبرة عن حبه الراسخ لوطنه ليبيا، ولوطنه الإسلامي الكبير، بل للدولة
-34 -