سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦

زيارة الباروني لغمان:

لقد كانت زيارة الباروني لعُمان منحة ربانية ساقها القدر لعُمان، فالباروني

بعد أن ضيقت عليه دول الحلفاء وحوصر فلم يستطع دخول بعض الأقطار التي يريد، مما جعله يرسل رسالة احتجاج إلى جمعية الأمم ورجال السياسة وعلماء القانون منعتني دول الحلفاء الثلاث فرنسا وايطاليا وانكلترا من الدخول إلى مستعمراتها والبلاد التي تحت سيطرتها مثل الشام وجزيرة العرب ومنها الحجاز وأفريقيا ومنها مصر، فاضطررت إلى الإقامة في باريس بعد أن ذهبت إلى تونس وأعادتني حكومتها بعد أربعة أيام أقمتها فيها ممنوع الاختلاط بالناس والخروج من المنزل تحت مراقبة البوليس، فهل لدول الحلفاء وجه قانوني يسوغ ذلك حتى تحرمني من التمتع بنتيجة الصلح الذي شمل العالم أجمع، مع أني إفريقي طرابلسي المولد لي بها أملاك ولي في مصر مطبعة ومعاملات تجارية من قبل الحرب الكبرى، ولا يلائم صحتي الإقامة في أوربا وغيرها من البلاد الباردة) (1). وبعد ما أصبح الباروني لاجئا بدون وطن، حيث اشتدت عليه الرقابة فمنعته فرنسا وبريطانيا من الدخول إلى مستعمراتها، جاءت مبادرة من ملك الحجاز فوجه لسليمان باشا الباروني دعوة لزيارته، فمهد له طريق السفر من مرسيليا بفرنسا متعللا بأداء فريضة الحج وكان ذلك سنة 1924 م، وقد سعى عدة وسطاء أجانب لحمل الملك حسين على عدم السماح له بالنزول في جدة، فكان رده عليهم بأنه لا يجوز أن يمنع أي مسلم من أداء فريضة الحج، وقد مر خلال رحلته بالإسكندرية ثم بيروت (2).

33

(1)

(T)

عيسى الطيواني، الرحلة البارونية، ص 12 - 13 مخطوط.

موسى بابا وداود بابا ص 35

وكان سفره من بيروت 22 ذي القعدة 1342 هـ، فوصلت الباخرة ثغر جدة

وفي صباح 29 نزل ركابها إلى البر، فوجد الباروني باشا على الرصيف هيئة يرأسها السيد الشريف طه مكلفة من عند صاحب الجلالة الملك حسين باستقباله واستقبال بعض أمراء الشرف وفي عشية 30 وصلت سيارة ملوكية أقلته إلى مكة المكرمة وأدى المناسك وأحل من إحرامه وقدم شكره للملك على عنايته به (1) وبعد إتمامه الفريضة الحج قلد الملك حسين سليمان باشا الباروني نيشان الاستقلال الهاشمي، وعرض عليه الإقامة ولكن الباروني اعتذر عن الإقامة فيها (2)، فعاد إلى جدة وهو في حيرة من أمره إذ لا سبيل لدخوله مصر أو غيرها من البلاد الإسلامية، فأما أن يقيم في الحجاز، وأما أن يعود إلى باريس وكلا الحالين صعب عليه. ولما علم بوجود باخرة في ثغر جدة قاصدة مسقط عزم على زيارة بلادنا عُمان وأسرع إلى الباخرة لأنه لا يجد بعد سفرها سبيلا إلى مسقط إلا على طريق بمبي ثغر الهند وهو ممنوع من النزول فيها، وكان في الباخرة جماعة من إخواننا أهل عُمان يرأسها العلامة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري أحد قضاة إمام المسلمين بعُمان فسافرت بهم يوم 25 ذي الحجة 1342 هـ، ولما وصلت الباخرة إلى عدن بلغ خبر وجوده فيها إلى مسامع حضرة عظمة السلطان تيمور وهو بالهند، فأمر بواسطة البرق هيئة وزارته بمسقط أن تستقبل صديقه القديم الباروني باشا باحترام، وأن تقبله ضيفا عنده فانتشر خبر قدومه فى أنحاء المملكة انتشار البرق وتاقت الأنظار إلى رؤيته واشتاق أصدقاؤه إلى ملاقاته.

وفي اليوم الثاني من محرم 1343 هـ وصلت الباخرة ثغر مسقط، فبادرت هيئة الوزارة إليها مستقبلة هذا الضيف المحترم، وأنزلته في الزورق الملوكي ترفرف فوقه الراية الحمراء، راية الدولة السعيدية، فنزل القصر المهيأ له وهناك

(1) الطيواني، ص 31 - 34. موسى بابا وداود بابا، ص 35.

(2)

6