سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦٩

مقاومة الليبيين للغزو

رغم أن الدولة العثمانية لم تفاجأ في عملية الغزو إلا أنها لم تكن مستعدة لمقاومة هذا الغزو، ومع ذلك فقد كان سليمان الباروني الذي كان آنذاك عضواً في مجلس المبعوثان العثماني ويقضي إجازة، في طرابلس الغرب أدى خلالها واجب العزاء لوالده بوفاة والدته، وكان عشية ظهور الأسطول الإيطالي في مياه طرابلس الغرب في يفرن مركز الجبل الغربي، فاجتمع الناس عنده على اختلاف انتماءاتهم العشائرية ومشاربهم الفكرية والمذهبية، ومنهم رؤساء القبائل العربية وتباحثوا في وضع ميثاق يؤطر عملهم للدفاع عن وطنهم، ويبنون على أساسه قواعد الجهاد ضد الغزو الإيطالي، وقد وقف مع المجاهدين رجال القبائل والمدن الليبية، ومن العرب والأتراك فى مواجهة إيطاليا، ورغم خلافات بعض القيادات السياسية والقبلية مع الدولة العثمانية، فقد كان معظم الأعيان من قيادات قادة المقاومة للاحتلال الإيطالي … وعقد المجاهدون عدة اجتماعات لتنسيق جهودهم مع العثمانيين (1).

وبادر سليمان الباروني بالاتصال مع قائد الحامية العثمانية في ولاية طرابلس الغرب إسماعيل نشأت بك، واتفق على أن تكون القيادة الرسمية في الشق الغربي من ليبيا بقيادته، وقد كلف بقيادة المجاهدين في الأول من تشرين الأول 1911 م، وعُيّن والياً وكومنداناً للجيش التركي الموجود في ساحة طرابلس (2).

وقد كان من أسس جمع الناس في الجهاد هو تشكيل "الجيش الإسلامي

في الطرابلسي وأن المجاهدين إخوان في الإسلام متجاوزين الخلافات المذهبية (مالكي / إباضي)، أو العنصرية (عرب / بربر) ويلاحظ أنه كان هناك تزاوج بين القبائل والفلاحين الإباضين، وأنهم ارتبطوا تاريخياً واجتماعياً بالقبائل الأخرى، وكانت التركيبة في صفوف القبائل من المجاهدين فيها مالكية وإباضين (1) وقد واجه المجاهدون الغزو من خلال ظاهرة الصفوف التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر، وهي ظاهرة استراتيجية في أوقات الحروب الأهلية المواجهة الدولة والغزو الخارجي. ثم وجه نداء عام للمسلمين في طرابلس (2).

كانت مجموعات المجاهدين غير منضبطة، "وما يقودها للصمود والاستماتة إلا الشعور بالواجب تجاه الوطن والدين (3) وكانت هناك قناعة لدى قيادات المجاهدين من الأعيان ومنهم سليمان الباروني بأن الدولة العثمانية جادة في الدفاع عن طرابلس الغرب؛ خاصة وأن معظم القبائل والفلاحين؛ رغم رفضهم الضرائب العثمانية، ورغم قمعها وقصورها، نظروا للدولة العثمانية كدولة إسلامية في مواجهة إيطاليا المسيحية. شجب الرأي العام الإسلامي الغزو الإيطالي، وقدم متطوعون مسلمون إلى ولاية طرابلس الغرب من مصر وتونس والجزائر تشاد والهند للمشاركة في الجهاد الليبي (4).

"

(1) الباروني، زعيمة سليمان، صفحات خالدة من الجهاد مطابع الاستقلال الكبرى 1964 م، ص 107، وسيار إليه لاحقاً: صفحات خالدة. (2) رحومة، مصطفى حامد، المقاومة الوطنية ضد الغزو الإيطالي في منطقة بوكماش (1912 م)، طرابلس، مرکز دراسة جهاد الليبين ضد الغزو الإيطالي، الطبعة الأولى، 1990 م. انظر ص 38، سيشار إليه لاحقاً: المقاومة

الوطنية.

132

(2)

161

(1)

حميدة، علي عبد اللطيف المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا، سلسلة اطروحات الدكتوراه (26)، دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحركات وسياسات التواطؤ ومقاومة الاستعمار، (1830 - 1932 م، مركز دراسات الوحدة العربية ص 160، سيشار إليه لاحقاً حميدة، المجتمع والدولة. (1) صفحات خالدة، ص 38) المقاومة الوطنية، ص حميدة، المجتمع والدولة، ص 164

133