سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٧٠

حياة الباروني العلمية ودوره في مقاومة الاحتلال

هو سليمان عبد الله الباروني (1870) - 1940 م)، مجاهد وسياسي

ومؤرخ، ومفكر وأديب وفقيه إباضي، وُلِدَ ببلدة جادو حاضرة متصرفية فساطو / ولاية طرابلس الغرب (ليبيا حالياً من أسرة الباروني المعروفة في جبل نفوسة (الجبل الغربي منذ نحو ثمانمائة عام كان ربع القامة أسمر اللون، أسود اللحية وطويلها هادئ الطبع، حري بالثقة شديد الدهاء، مفرط الذكاء حاد البصر (1). تلقى تعليمه الأولي في بلدته، وكان والده شيخاً ورشح لمنصب الإفتاء. وأرسله والده في العام (1310 هـ / 1892 م) إلى مصر للدراسة في الأزهر وأخذ عن أساتذته المشهورين، ثم ارتحل إلى الجزائر عام (1313 هـ / 1895 م) وتبحر في علوم الإباضية لمدة ثلاث سنوات على يد شيخ المذهب الإباضي محمد بن يوسف الميزابي، وعاد إلى طرابلس نحو عام (1316 هـ/

1898 م) وقد تأثر بما رأى في تيهرت فألف كتابه "الأزهار الإباضية".

وقد سافر أو أقام في العديد من البلدان منها مصر، الجزائر، تونس، العراق، مسقط وعُمان، تركيا، فرنسا والهند

وفي شبابه أسس في عام 1904 م مدرسة في يفرن سماها "المدرسة البارونية ولذلك أطلق عليه البعض لاحقاً المعلم المقاتل (2).

شخصية فذة لها جوانب متعددة لا تجتمع إلا عند عظماء الرجال فهو مجاهد معروف، وكان من أبرز رجالات الرعيل الأول من المجاهدين ضد الغزو الإيطالي، حيث قاتلهم في سواني بنيادم وغيرها حتى عام 1912 م، وبعد معاهدة

(1) المرزوقي، محمد عبد النبي بالخير داهية السياسة وفارس الجهاد الدار العربية للكتاب، 1978 م، ص 94 سيشار إليه لاحقاً المرزوقي. وانظر يوميات الجهاد الليبي، ص 323. مجموعة محررين سليمان الباروني: المعلم المقاتل، دار العودة لبنان، 2003، ص 14 - 15 وص 27.

(2)

134

لوزان بين الدولة العثمانية وإيطاليا، أعلن استمراره في الجهاد منسحباً إلى يفرن في جبل نفوسة المنيع، وأسس خط حرب يبتدئ من ورفلة ماراً أمام غريان والزعترية ومنطروس، وبير الخشب في جهة العزيزية ويمر أمام صرمان والعجيلات والعلالقة وزوارة من بلاد الساحل.

في العام 1918 م انتخب عضواً في أول جمهورية عرفها العالم العربي الحديث وهي "الجمهورية الطرابلسية؛ وقاتل الإيطاليين حتى عام 1922 م حيث سئم من الاقتتال الليبي الداخلي الذي كان على شكل حرب أهلية تغذية السلطات الاستعمارية الإيطالية، وسافر إلى العراق ثم إلى سلطنة عُمان.

وهو رجل سياسة محنك؛ انتخب من قبل إباضيي جبل يفرن ونفوسة مع محمد فرحات الزاوي، وعمر منصور الكيخيا ممثلين لولاية طرابلس الغرب (ليبيا) في مجلس المبعوثان العثمانية سنة 1910 م، وكان ينافسه في المنطقة خمسة مرشحين، ففاز فوراً ساحقاً وحصل على ثلاثة أضعاف عدد الأصوات التي حصل عليها الذي يليه (1)، وتابع تطورات الحركة الوطنية في مصر عن كثب، وتعرّف على زعيمها مصطفى كامل ومن بعده محمد فريد، وكان مناصراً للحزب الوطني في مصر ضد الاستعمار البريطاني. كانت له آراء خاصة في الدولة العثمانية استوجبت النقمة عليه واضطهاده في عهد السلطان عبد الحميد فسجن ونفي وُشُرد مرات عدة، ومع يستقبل من أهالي منطقته بترحاب كبير، وصدر عنه عفو في العام 1318 هـ / آب 1901 م، وكان مؤيداً في البداية لجمعية الاتحاد والترقي ثم للدولة العثمانية لأنها تجسد هوية جامعة تمثلت في الجامعة الإسلامية، وباعتبارها خلافة إسلامية.

ذلك كان

(1) الدجاني، أحمد صدقي، ليبيا قبل الاحتلال الإيطالي أو طرابلس الغرب في العهد العثماني، (1882) - 1911 م)، الطبعة الأولى، ص 427، سيشار إليه لاحقاً: ليبيا.

135