الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٦أما الجزء الغربي منه فهو الذي يشرف من الجهة الجنوبية على بلدة
الحمراء وما جاورها من قرى ويعرف الجزء العلوي منه اليوم باسم "جبل شمس
وهي
"
"القنة" التي زارها الشيخ الباروني، وتمتاز الأجزاء المرتفعة من هذا الجزء بوجود أشجار "البوت" و "النمت (1) و"العلعلان" و "العتم" وأنواع من الأشجار التي تستخرج منها الزيوت ذات الفوائد الطبية والنباتات ذات الروائح الزاكية، كما يمتاز بهوائه البارد العليل في فترة الصيف وبرودته الشديدة في الشتاء حيث تصل فيه المياه الى درجة التجمد وأحيانا تظهر الثلوج في أوقات الأمطار الشتوية فيبدو الجبل كأنه شيخا فى حالة استرخاء ملتحفا بعمامته البيضاء.
قال الشيخ: " فصعدنا في يوم وأقمنا يوما وليلتين، ورجعنا في يوم".
-
لابد من وقفة هنا عند قوله - رحمه الله "صعدنا في يوم" فإن صعود هذا الجبل مشيا على الأقدام في يوم واحد في تلك المدة الزمنية ليس بالأمر الهين إلا على رجال كالأسد الباروني، الذين خبروا الجبال وألفوا شواغفها، وكأني بالأسد الباروني يثب من صخرة إلى أخرى لا يكاد يلمس الصخرة إلا بأطراف أصابعه.
المشهد السادس: تحديد المكان وأريحية وابتهال
قال الشيخ - رحمه الله - وهناك قلت الأبيات الاتية وذلك في يوم 16 الأنور 1344 هـ، هنا ثلاث لافتات توثق مشاعر الشيخ وهو في تلك البقة ربيع الشاهقة من أرض عُمان:
ففي اللافتة الأدبية الأولى بين الشيخ موقع الجبل والمعالم المكانية القريبة منه والبعيدة وارتفاع قنته وطبيعة الطقس الباردة في ذلك الصيف القائض الذي
(1) البوت شجرة ثمرتها سكرية وقت جنيها أوائل فصل الصيف، وحجمها مثل نصف حجم حبات الزيتون، والنمت كذلك إلا أنها أصغر حجماً.
احتاج فيه إلى ايقاد النار ليلا من غير أن ينسى واجب شكر النعمة فقام الليل قانتا وساجدا، وما كان الشيخ الأواب والمجاهد الوثاب ليترك لوحته بدون ذكر تلك الخلوة الإيمانية التي قضاها في ذلك المكان في هدأة الليل، وكل ما حوله في سكون الشجر والطير والحيوان، وهو وحده من بينهم يقضي ليله يتلو آيات ربه قانتا وراكعا وساجدا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، تتحدر الدموع من عينيه، فهو أهل لأن يكون ممن يشملهم بشارة النبي بقول: ورجل ذكر الله خاليا حتى فاضت عيناه يقول رحمه الله: قف ها هنا وانظرن نزوى وقلعتها ومس قطا قابلا جعلان والجار وانظر صحار وحي البحر ملتفتا إلى البريمي تجد حصنها نارا واقبل بوجهك للعينين متجها نحو الحجاز وحي الغرب والدارا هنا سليمان أحيا الليل مبتهلا وهاهنا أوقد الباروني المنار يتلو الكتاب يناجي الله منفردا والليل داج وكان الدمع مدرارا
يرمي الشيخ ببصره وبصيرته، يجول بهما في تلك الجهات ويحدد ببوصلته القلبية والعقلية التي لم تخطء في رسمها فيق ويستوقف معه القارئ خلف الزمان والمكان لينظر الى الحواضر القريبة والبعيدة مبتدئا بأم القرى العُمانية نزوى- وقلعتها الشهباء، ثم يرمي ببصره وبصيرته شرقا فيذكر مسقط تلك المدينة التي كانت أول أرض عُمانية وطئها قدمه، ثم جنوبا فيذكر القابل وما وراءها من بلاد جعلان وما حولها من القرى الصحراوية والساحلية، ثم يلتفت الى الشمال فيذكر صحار عاصمة عُمان في الجاهلية وصدر الاسلام، ويدير البوصلة نحو الغرب فتترأى له البريمي وحصنها الشهير، وبحركة خفيفة يطلب صاحبه أن يقبل نحو البصر ليرمي ببصره بعيدا نحو الحجاز التي قدم منها بعد أداء الركن الخامس من أركان الإسلام، وهنا يأخذ الباشا صاحبه الى ما وراء
العنين وهي
داخل
مرمي
167
177