الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٩٢مقدمة
مغربه
حضور الباروني في الشعر العماني
بين صورة المجاهد و شخصية المصلح
محمد بن سعيد بن عامر الحجري (*)
إن شخصية بمثل سمات العظمة التي امتلكها الباروني و بمثل جهودها،
-
و
و جهادها، و إنجازاتها جديرة أن تكون جسراً يصل بين شرق الوطن العربي و هكذا كان – فإن كل ما يتعلق بشخصية الباروني يؤكد حقيقة أنه جسر ثقافي و إصلاحي كبير، و يتجلى ذلك في مهامه السياسية و في أعماله الجهادية العسكرية إبان آخر موجات الاستعمار الغربي و بدايات الحركات النضالية للتخلص من الاستعمار في الوطن العربي، كما يظهر ذلك في أعماله العلمية و مؤلفاته، وفي إنجازاته الصحفية و في مجال النشر، و في رسالته الإصلاحية التي حاول يبثها في عمان
ويكفي للتدليل على جوانب ريادته الواسعة ما تضمنته شخصيته من وجوه واهتمامات فهو السياسي البرلماني، و هو السياسي الدبلوماسي، وهو السياسي الذي ترأس أول جمهورية في التاريخ العربي الحديث حين أنشأ الجمهورية الطرابلسية بمعية زملائه الذين جاهدوا ضد الاستعمار الإيطالي، إلى حد أن بعض الباحثين الليبيين يرى أن حلم الباروني في تكوين دولة ليبية مستقلة لم يتحقق فعلياً إلا مع الانتخابات التشريعية الأخيرة يومي 7 و 8 يوليو 2012 م. و هو إلى جانب ذلك قائد عسكري صادم الاستعمار الإيطالي و أدمى وجهه في معارك ضارية حقق فيها انتصارات كبرى و هو أيضاً صحفي أنشأ أكثر من صحيفة في القاهرة و استانبول و ناشر حمل هم تحقيق و نشر التراث في وقت
مبكر جداً، و هو مؤلف و مؤرخ ترك مؤلفات اعتبر بعضها مراجع رئيسية في التاريخ ككتابيه الإزهار" الرياضية في أئمة و ملوك الإباضية" و " مختصر تاريخ الإباضية"، و هو خطيب وكاتب و شاعر سجل وقائع أيامه بالشعر و قدم رؤاه الإصلاحية شعراً ونثرا، و هو رحالة دون وقائع رحلاته و سجل انطباعاته عنها خاصة تلك الرحلات التي قام بها إلى عمان وهو تربوي يرى أن أول أسس النهضة ينبغي أن ترسى في المدارس و دور العلم، و اجتهد في تطبيق هذه الرؤية عملياً حين شرع في تأسيس المدرسة النظامية الأولى في عمان في ولاية
سمائل.
يقول الشيخ أبو إسحاق أطفيش في مقدمته لكتاب (سليمان باشا الباروني زعيم المجاهدين (الطرابلسيين) الذي ألفه أبي القاسم سعيد بن يحيى الباروني: وأيْنَ الرَّجُلُ الذي تَتَجَمَّعُ فيه تلكَ الخِصَالُ المُتَجَمَّعَةُ فِي البَارُونِيِّ؛ مِنْ علم الشريعة والتأليف والسياسةِ الرَّشيدةِ والجهادِ والفنون الحربية والإصلاح الاجتماعي، وتَتَوْيجِ ذلك بِسُمُوّ الأخلاقِ وكَرَمِ الْمَحْتِدِ وطاعة الله ورسوله و يقول في موضع آخر: "وَمَنْ هُوَ الذي تتوفَّرُ فيه هذه المميزاتُ السَّامِيَةُ كالمرحوم الباروني باشا العالم الشرعي، السّياسِي الْمُحَنَّكِ، الدبلوماسِي الْمَاهِرِ، الحَرْبِيِّ الْهَائل، الْمُخْلِصِ الله ولرسوله وللمؤمنين؟ "
إذن فقد كان الوطن العماني منتصف عشرينيات القرن العشرين على موعد مع رجل استثنائي يجمع مواهب وإمكانات وخبرة واسعة، ويتحلى في ذات الوقت بالإخلاص و الالتزام بقضية وطنه، وقضايا الإحياء والنهوض والإصلاح في العالم الإسلامي، ولكن القوى الاستعمارية كانت قد تكالبت على نفيه و محاصرته و التضييق عليه حتى انفرج باب الحصار حين أزمع الوصول إلى
179
178
محمد الحجري سلطنة عمان
(")