سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٣

و

و

الأراضي المقدسة للحج، ثم تواترت عليه رسائل القيادات العمانية تطلب منه الزيارة و القدوم إلى عمان.

لقد التفت العاطفة العمانية حول الباروني في شخصه، و ما يمثله من معنى التجسير ما بين المشرق والمغرب العربي، وما يحمله من قضية وطنية و نضالية، و هذا ما نجده في أول الأدبيات المرحبة بوصول الباروني شعراً ونثراً، لعل رسالة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي إليه بعد وصوله تنبئ عن حقيقة هذه الصورة التي ترجمت بعد ذلك نثراً في الخطب و شعراً في قصائد الشعراء، إذ يقول الإمام الخليلي مخاطباً الباروني في أول رسالة يرسلها له بعد وصوله إلى مسقط من إمام المسلمين محمد بن عبدالله بن سعيد الخليلي إلى أخيه ذي الشرف الباذخ المجد الشامخ المجاهد في الله، الحامي لدينه سليمان بن عبدالله الباروني، أما بعد فإنا نحمد الله إليك، لازلت أخانا محافظاً على شرف حريتك، ساعيا في عز استقلال بلادك، ألا وإن أعلام مجدك منشورة، وسيوف عدلك مشهورة، فلله درك حيث أنت، هكذا هكذا وإلا فلا لا"، فهذا الخطاب يقرر الصورة المستقرة في وجدان العمانيين تجاه الباروني شخصاً و مشروعاً، و هو أنه مع رسالة رسمية تتضمن الدعوة و الترحيب إلا أن المناسبة حملت الإمام على التعبير الأدبي المشحون بالعاطفة و معاني الإعجاب.

وهذه الصورة التي اختصرها و كثفها خطاب الإمام هي التي بثها الشعر العماني المرحب بالباروني و فصلها ناشراً صورها التقليدية المستدعاة من الخطاب الشعري العربي، أو صورها الخاصة المتصلة بالشأن العماني، ولذا فإن دراسة المدونة الشعرية العمانية المرتكزة حول شخصية الباروني ينطوي على أهمية فارقة، لأن الشعر يمثل مدخلاً مهماً لفهم الشخصية العمانية و فهم التاريخ الثقافة؛ ففي عمان تترسخ حقيقة أن الشعر ليس خطاباً أدبياً صرفاً، بل هو

(1) الهاشمي، سعيد بن محمد، غاية السلوان في زيارة الباشا الباروني لعمان، ص 79، ط 1، 1428 هـ / 2007 م.

180

مدخل معرفي وحضاري كبير، وشكل رئيسى من أشكال الخطاب المعرفي بلغة الأدبي، إنه كان على الدوام أداة رئيسية لترسيخ و تكريس المعاني الأساسية المتعلقة بالوطن وبالذات و بالهوية وتوثيق خلاصات التجربة، و لذا فإن قراءة القصائد التي احتفت بالباروني ستكون قراءة الرؤية عمانية شاملة تجاه الباروني و قضيته و مشروعه، بل إن الباروني نفسه قد أدرك هذا الجانب البعيد الغور في الشخصية العمانية التي تفضل المعرفة و الفكرة في صورتها الشعرية منغمة موزونةً مقفاة، أو منظومة على الأقل، ولذا أعلن الباروني عن برنامجه الإصلاحي الذي دعا الإمام إلى تبنيه في قصيدة ضمن خطابه أمام الإمام بجامع نزوى يوم الجمعة 7 ربيع الأول 1344 هـ / 25 سبتمبر 1925 م، حيث قدم فيه رؤيته الناقدة و المحرضة على الإصلاح مضمناً إياها برنامجاً إصلاحيا سياسيا و قضائيا واجتماعيا وعسكريا وتطويرا للعلاقات الخارجية، ومركزاً على أفكار تتعلق بالوحدة الوطنية والتآلف الوطني بين الإمامة والسلطنة، وصياغة تألف سياسي بين ممالك الجزيرة العربية، وقد ختمها بقوله (1):

ما شابها مدح و لا إطراء هذي نصيحة مخلص في دينه إني امرؤ ترك المديح لأهله مذ أنشبت أظفارها الهيجاء

و

لقد أدركت عمان و رجالاتها ما انطوت عليه شخصية الباروني من استثنائية وعظمة، ولذا كان استقبالها له حدثاً هائلاً بكل ما في الكلمة من معنى، إذ مثلت الأدبيات التي رافقت وصوله و جولاته في عمان ظاهرة أدبية حقيقية في تمحورها على شخصه وجهوده والترحيب به و دعم مشروعه الإصلاحي، فالخطب و القصائد التي ألقيت في أثناء استقبالاته تبلغ في كمها حداً كبيراً، كما أنها في نوعها تمثل ـ في عدد غير يسير منها - بعض أجمل نصوص الشعر

: سلطان الشيباني (1) ديوان الباروني، سليمان باشا بن عبدالله الباروني، تحقيق: زعيمة الباروني، مراجعة وتصحيح:، مكتبة مسقط (1433 هـ / 2012 م)، ص 175، الهاشمي، سعيد بن محمد غاية السلوان، ص 118.

181