الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦١العاشر الهجري، وحكموا بين الناس بالعدل والنزاهة والاستقامة (1). وكان والده ثانياً: الظروف السياسية
الشيخ عبدالله بن يحيى الباروني على جانب كبير من العلم والورع والاستقامة
وكان له من الصفات الحميدة ما جعله يحظى بالوجاهة والتقدير والاحترام لدى رؤساء الدولة العثمانية، وكان يسعى في الخير والإصلاح بين الناس، وقد اشتهر بهذه الصفة التي جعلته مرجعاً في مجتمعه، ومقرباً لدى حكام الدولة العثمانية في طرابلس؛ وكان الابن سليمان الباروني يرى مكانة والده العلمية والاجتماعية بين الناس، فجعله ذلك كثير التعلق به شديد الاحترام له، معتبراً إياه مثله الأعلى وقدوته الحسنة، وقد وصف سليمان الباروني سيرة أجداده في رسالة كتبها
عاش الباروني في حقبة زمنية مليئة بالصراعات السياسية، والتجاذبات السلطوية، فكانت بوادر الحرب العالمية في زمانه قد أخذت تشق طريقها من خلال محاولات الدول الكبرى السيطرة على الدول الضعيفة، ورغبتها في إخضاعها وجعلها تحت سيطرتها المباشرة، ومن قبل ذلك تعرض الوطن العربي إيَّان الحروب الصليبية إلى العديد من المؤامرات منها من الغرب الأوروبي لسلب العرب حريتهم وأراضيهم، وشاركه في ذلك الإمبراطورية البيزنطية في مراحل متعددة، ومنها مؤامرات من الصليبيين بالشام ضد وحدة الصف العربي، كما صدرت مؤامرات من بعض الحكام المسلمين أنفسهم ضد إخوانهم في الوطن "إن المطالع يرى سيرتهم كسيرة الصحابة والتابعين لا تعاظم ولا تكبر، مع والدين (1)، وتكالب الحلفاء على الدول العربية خاصةً محاولين تقسيمها إلى العفة التامة، والعلم الغزير، والاعتناء بالدين والعدل كتاب الله حجتهم، وسنة رسوله دليلهم، وآثار السلف الصالح منهجهم، إن هم جلسوا للحكم عدلوا، وإن
عنهم بقوله:
دويلات تابعة لها، كما كانت المحاولات خلال تلك الفترة حثيثة من أجل احتلال دولة فلسطين وتشريد أهلها من قبل الجماعات اليهودية، وكانت دول أوروبا
تصدروا للتعليم أجادوا وأحيوا، وإن قاموا للدفاع عن وطنهم وملكهم أبلوا ونصروا، تحيك المؤامرات من أجل إسقاط الحكومة العثمانية، فكان الباروني يرقب بأم وإن بسطوا أيديهم للإحسان أغنوا، وإن شمروا للعبادة صاموا النهار وفي الليل عينيه تلك الأحداث، بل ويكتب عنها، وكان يجاهد بسيفه وقلمه من أجل تحقيق تهجدوا .. " (2) وهكذا ندرك بعد استعراضنا لطرف من سيرة آبائه وأجداده أين ينزل الحرية الوطنية لبلاده طرابلس التي كانت حينها تتبع الدولة العثمانية، وعندما سليمان الباروني بين آباءه وأجداده العظام، فقد تربى في دوحتهم الوارفة، ونهل نشبت الحرب بين طرابلس الغرب وإيطاليا تصدى لمقاومة الاستعمار الإيطالي، من معينهم الفيَّاض، فلا غرو إذن أن ينشأ نشأة قيادية فذة، جعلته قادراً على وأنشأ جيشاً نظامياً لمقاومتهم، وقاد سنة 1329 هـ / 1911 م كتائب وفرق التغلب على كل المصائب والآلام التي ابتلي بها، شاقاً طريقه إلى ذروة المجد المجاهدين من سائر طرابلس تحت لوائه لصدهم عن بلاده، واستمر في المقاومة بدون وجل أو خوف أو تردد، وظل مكافحا من أجل نصرة الحق، رغم المآسي التي كابدها في حياته. إلى أن تم إعلان الجمهورية الطرابلسية دولة مستقلة في سنة 1337 هـ/ 1919 م.
(1) سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، ج 1، ص 5 - 6. (2) نفس المرجع ص 6.
(1) تاريخ الحروب الصليبية، د. محمود سعيد عمران، ص 11، الناشر: دار النهضة العربية للطباعة والنشر،
بيروت، ط 2، 1999 م.
312
311