سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٦٢

كانت تلك الأحداث الجسيمة حاضرة في ذاكرة الباروني، مؤثرة في شخصيته، جعلت منه شخصية صامدة، مارست السياسة بعيداً عن المصالح الشخصية، ودون الخوض في صراع على السلطة، بل نجده يتنازل عنها بعد أن أظهره الله ونصره، فبعد نيل بلاده الاستقلال عام 1919 م، وإعلان الجمهورية الطرابلسية بعد المصالحة مع إيطاليا إثر الصمود الذي حققه الباروني ضد الطليان اعتذر عن الانضمام في مجلس حكومة القطر الطرابلسي الثمانية، ولم يرغب في المشاركة في الحكومة الجديدة، وأصر على الاعتذار، رغم الإلحاح عليه، بحجة أنَّه " عثماني" وأنَّه متمسك بتبعيته للدولة العثمانية، وبوظيفته في مجلس الشيوخ العثماني".

كما ظل مثالاً في الوطنية الصادقة واستمر في الدفاع عن بلاده طرابلس في كل المحافل الدولية بدون هوادة ولا مساومة على الثوابت الوطنية، وعمل جاهداً في الحفاظ على وحدة بلاده وشعبه مدافعاً بقوة عن حريتها؛ حتى تم تحريرها وإعلان استقلالها.

لقد ذاق الباروني طعم الحبس والنفي والإبعاد عن بلاده، حيث حكمت عليه السلطات العثمانية بالسجن مدة خمس سنوات، ولبث في سجن طرابلس المخصص للمنفيين من الأتراك، وبعد أن قضى عاماً في السجن تم تخفيف الحكم عنه، وأطلق سراحه سنة 1902 م بكفالة أعيان الجبل وأعيان طرابلس له، بشرط أن يبقى في طرابلس ولا يغادرها طوال العام التالي لاطلاق سراحه، كما تم إبعاده مرة إلى تركيا، وتم نفيه إلى فرنسا، وكان في كل مرة يحاول الانضواء تحت راية الدولة العثمانية باعتبارها عاصمة الخلافة، حيث كان الناس يتمسكون بروابطهم مع الدولة العثمانية لأنها في نظرهم قوة يمكن الاعتماد عليها في مواجهة الدول الأوروبية، وكانت هذه العاطفة الدينية سائدة في العالم العربي

11

والإسلامي تجاه هذه الحكومة المسلمة، وظل سليمان الباروني مخلصاً للدولة العثمانية، محافظاً على علاقته معها لحين وقوع الانقلاب عليها، وسقوطها على يد مصطفى كمال أتاتورك.

المحور الثالث: رحلات الباروني وأهدافها

يمكن تقسيمها بحسب الغرض منها إلى الأقسام الآتية: القسم الأول: رحلاته العلمية والثقافية

تلقى الباروني مبادئ القراءة والكتابة، وأخَذَ مقدمات العلوم عن والده بجبل نفوسة في ليبيا منذ أن كان صبياً، ثم رغب في الاستزادة من العلم فخرج في طلبه إلى الأقطار المجاورة، ورحل ثلاث رحلات في طلبه على النحو الآتي: 1 - رحلته العلمية الأولى إلى تونس: (1305 هـ - 1309 هـ تقريباً 1887 م- 1892 م).

حين بلغ الثامنة عشرة سنةً من عمره قام بأول رحلة علمية لطلب العلم وسافر في سنة 1305 هـ / 1887 م إلى تونس، ودرس في جامع الزيتونة على أيدي كبار أساتذته وعلمائه، ومن بينهم العلامة الشيخ عثمان المَكِّي، والعلامة الشيخ محمد النخلي، ومكث بها حوالي خمس سنوات، ينهل من مناهل العلوم والمعارف وتذكر المصادر أنه حين سافر في أول شبابه كتب إليه أبوه قصيدة شعرية رائعة يحثه فيها على طلب العلم، ويوجه إليه فيها نصائحه وتوجيهاته لتكون له دستوراً في حياته العلمية والعملية، ومن بين أبياتها:

بُنيَّ تنبَّه واستمع لمقالتي وكن واعياً لها بقلب مباشر

314

313