سليمان باشا الباروني وحضوره في الثقافة العُمانية: بحوث الندوة الدولية مجموعة مؤلفين

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٧١

أن هموم شغله الشاغل وهمه الكبير. فقد وهب حياته كلها لخدمتها والدفاع عنها، وكشف مؤامرات الأعداء، والمناداة بالإصلاح، ونشر الوعي الاجتماعي والسياسي بين المسلمين. وكان يعتبر نفسه جنديا مرابطا على ثغورها لا يرتاح ولا يهدأ له بال وهو يرى الأخطار تحيط بها من كل جانب، فقد دافع عن الخلافة الإسلامية حتى آخر لحظة، ودافع عن وطنه ليبيا دفاع الأبطال بسلاحه، ثم دفاع الكاتب الحر المستميت الذي لا ييأس ولا يستسلم على صفحات الجرائد، ودافع عن فلسطين عندما بدأت إرهاصات المؤامرة الدولية تتضح فوق أرضها، ودافع عن جزيرة العرب عندما أشعلت بريطانيا الحرب بين الشريف حسين وعبد العزيز بن سعود، ودافع عن الإمارات العربية عندما حاصرتها السفن البريطانية لإرغام شيوخها على توقيع معاهدة الحماية، ودافع ببسالة عن عُمان ونظم جيشها وساهم في تدريبه عندما وصلت أخبار تفيد بإمكان احتلالها من طرف الاستعمار الإنجليزي وتاريخه في هذا المجال عامر بالمواقف الكبرى المشهودة.

الأمة الإسلامية وقضاياها المصيرية كانت منذ بداية حياته

- أن مشروع الوحدة الإسلامية كان هاجسا من هواجس الباروني الذي سكن أعماق وعيه فلم يفارقه لحظة. وكانت جميع أعماله الفكرية والسياسية تصب في هذا المجرى. إذ كان يرى في هذه الوحدة ضرورة حيوية تحمي بها الأمة نفسها من غوائل الوحش الأوروبي المُتنمر وبخاصة وهي تعاني من تخلف رهيب في جميع المجالات يجعلها عاجزة عن أدنى مواجهة. وكان يعتقد أن اتحاد المسلمين ومحافظتهم على وحدة أراضيهم كفيل بأن يوفر لهم الجو المناسب ليبدؤوا في إصلاح أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية بالتدريج حتى يتجاوزوا مرحلة الخطر كما كان يأمل أن يفعل في ليبيا ثم في عُمان في وقت لاحق، غير أن الظروف الدولية والتمزقات الداخلية كانت أقوى من هذه الأحلام التي تهاوت وذهبت أدراج الرياح.

-47 -