الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٠وبين النضال السياسي الذي استغرق هو الآخر كل حياته. وقد لفت هذا الجانب انتباه كثير من معارفه وأصدقائه ومحبيه وكل من أرخ له وكتب سيرته، فسماه بعضهم رب السيف والقلم، ونحله بعضهم صفة المعلم المقاتل وما إليها من الألقاب التي تشير إلى هذه الناحية الفريدة فيه.
- أن حياة الباروني كانت عبارة عن سلسلة متواصلة من التنقلات والأسفار والرحلات والاتصالات والمشاريع الكثيرة التي لم يستطع عمره أن يستوعبها كلها. إذ أن نفسه الكبيرة المليئة بالآمال والطموحات لم تكن ترضى بالراحة والهدوء، بل كانت تدفعه دوما إلى السعى في تحقيق هدف معين فإذا انتهى منه أو حالت بينه وبين تحقيقه حوائل لا نرى لليأس أثرا في سلوكه، فيسارع إلى هدف آخر وميدان جديد وأسلوب مختلف يفرغ فيه تلك الطاقة الفياضة التي ظلت تتفجر بالعطاء إلى أن فاضت روحه إلى بارئها.
- أن الباروني كان يتمتع بقسط وافر من الوعي الحضاري الذي أورثه فكرا متفتحا تجاوز به ما كان سائدا في مجتمعه وفي مختلف المجتمعات الإسلامية آنذاك من جمود وتعصب. لذلك نظر إلى الحضارة الغربية الحديثة نظرة منصفة، ووزنها بعقله الراجح فرأى أن الوسائل التي وفرتها للبشرية من خلال الاختراعات العلمية وسائل حيادية وأن آثارها السلبية أو الإيجابية تتوقف على طريقة استعمالها، فلم يتوان عن الاستفادة من منجزاتها الصناعية ومناهجها القائمة على الدراسة والتجربة في سبيل إحداث نهضة إسلامية تجنّب المسلمين مغبة الاندثار بفعل طغيان أمواج التغريب العاتية. فاستثمر الصحافة ومناهج التعليم الحديثة وأنظمة الجيش والإدارة والمطبعة وغيرها من وسائل العصر التي أفادته في تبليغ رسالته والقيام بواجبه نحو أمته.
1801