موقعة النهروان وأهواء الموؤرخين لعبد الله القحطاني
الجزء ١ · صفحة ١٦وقد أشار الطبري إلى اقتناع ابن عباس برأي أهل النهروان في قوله :( فدخل علي الكوفة ، ونزلوا بحروراء ، فبعث إليهم عبدالله بن عباس ، فرجع ولم يصنع شيئا ، فخرج إليهم علي فكلَّمهم حتى وقع الرِّضا بينه وبينهم) (18) ، فقوله (فرجع ولم يصنع شيئاً ) لا يحتاج إلى شرح ، ومما يدلُّ على اقتناع ابن عباس بما ذهب إليه أهل بدر والسابقين من أصحاب رسول الله من أهل النهروان ، هو اعتزاله للفتنة ورجوعه إلى مكة المكرمة وقد ترك العمل الذي وكله به ابن عمه علي بعد أن اتهمه بالاختلاس وحاشا ابن عباس عن ذلك ولكنها الفتنة العمياء والوشاية المغرِّضة ، التي أوقعت بينه وبين علي كما أوقعت بين علي والصحابة من أهل النهروان من بعد، وقد كتب ابن عباس إلى علي ( أما بعد فقد فهمت تعظيمك مرزاة ما بلغك عني إني رزئته من أهل هذه البلاد ، فابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعنٌ عنه والسلام) (19) ، ولو كان ابن عباس يرى بطلان رأيهم لما وسعه ترك قتالهم ، وقد فعل ذلك أبو موسى الأشعري فرحل من الشام إلى مكة المكرمة.(20)
الأحاديث التي صرفت ظلماً في أهل النهروان: ـ
لنفرض جدلاً أن أهل النهروان كانوا على خطأ في اجتهادهم للخروج من زمرة جيش الإمام علي ، واستخلافهم إماماً جديداً ، هل فعلهم هذا كافٍ للحكم بخروجهم من الملة وإن صلّوا وصاموا ؟! وهل في ذلك دليل على أن تبقى ذرياتهم خارجة عن الدين إلى يوم القيامة ؟! لا أظن أن عاقلاً يتبنى هذا الزعم غير المنطقي ، ومع ذلك فلقد لويت أعناق كثير من الأحاديث ، واستغلت في معرض القدح في أهل النهروان ، وهي كثيرة ومتفرقة في المساند ، ولكنَّ معانيها مجتمعة لا تخرج عن ما في الأحاديث التالية:
((