نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ١٢١والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو: لماذا قدم الإباضية ابن إباض فيجادل باسمهم علناً ويناظر مناوئيهم ويكشف عن بعض مبادئهنم في الوقت الذي كانت فيه الحركة تمر فيما عرف بطور الكتمان، أو السرية التامة، يبدو أن الإباضية في تلك المرحلة رأوا أنه لابد لهم من الإفصاح عن آرائهم ومعتقداتهم وخاصة ما يتعلق منها بوجهة نظرهم نحو متطرفي الخوارج ونحو بقية المسلمين، حتى لا يتعرضوا للسخط من بقية المسلمين الذين اعتبروا الخوارج المتطرفين، مثل الأزارقة، مارقين تجب محاربتهم والقضاء عليهم، ولذا كان لابد للقعدة الإباضية ممن يفصح عن رأيهم حتى لا توجه إليهم تلك الاتهامات التي وسم بها متطرفو الخوارج، وكان ابن إباض هو المؤهل للقيام بهذه المهمة الدعائية، لأنه بالإضافة إلى قدرته على المناظرة والمجادلة، ينتمي إلى قبيلة تميم، إحدى أهم قبائل البصرة آنذاك ومن الصعب على الولاة أن يتعرضوا له بأذى خوفاً من إغضاب قبيلته، ومن هنا فإنه وصف عثمان بن عفان وخلفاء بني أمية بالظلم والفساد ومخالفة المبادئ الإسلامية في مراسلاته مع عبدالملك بن مروان، ولم يخاطب عبدالملك نفسه بلقب أمير المؤمنين أو خليفة المسلمين، بل خاطبه باسمه مجرداً من أي لقب، ورغم ذلك فإن عبدالملك لم يتخذ ضده أية إجراءات، وهذا دليل على أن ابن إباض الذي ينتمي إلى قبيلة تميم كان آنذاك يتمتع بحماية قبيلته مما جعل اضطهاده أمراً صعباً، وخاصة أنه لم يحمل السيف ولم يجرد السلام ضد الحكام الأمويين، وعلى أي حال فإن الرسالة التي بعث بها إلى عبدالملك تعد وثيقة هامة للكشف عن الخطوط العريضة للآراء والمبادئ الإباضية في تلك الفترة المبكرة من تاريخ الحركة كما أنها تلقي ضوءاً على نظرة لمحكمة للتطورات التي حدثت في صدر الإسلام ابتداء من موت رسول الله r وحتى فترة حكم عبدالملك بن مروان، ونظراً لأهميتها فقد ألحقناها في نهاية الكتاب.