نشأة الحركة الإباضية لعوض خليفات
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥ويظهر أن أول اتصال بين الداعية والتلميذ قد تم في القيروا، وبقيا متلازمين في الحل والترحال حتى مات عكرمة في المشرق، فرجع ابن واسول إلى بلاده وتزعم الدعاية للمذهب الصفري حتى أن الروايات تصفه بأنه مقدم الصفرية من مشاهير حملة العلم([9])، وكان ابن واسول ينشر مذهبه بين قومه من مكناسة بسرية تامة، ولكي يحافظ على كتمان دعوته انسحب جنوباً إلى الصحراء، واستقر في واحة تافيللت حيث تظاهر بامتهان حرفة الرعي أسوة بسكان البادية القاطنين هناك، واستطاع أن يكسب أعواناً كثيرين، وأصبحت خيمته منتدى ومدرسة لأتباعه من البدو في تلك المنطقة([10]).
واعتنق المذهب الصفري أيضاً عدد كبير من قبائل برغواطة على يد زعيمهم طريف بن شمعون، الذي أخذ المذهب عن عكرمة في القيروان([11])، وانتشر المذهب بين قبائل زناتة البربرية وخاصة بني يفرن، وظهر منهم زعماء أشداء حاربوا الولاة الأمويين والعباسيين، من أشهرهم أبو قرة اليفرني الصفري الذي قاد الصفرية في حركة واسعة ضد جند الخلافة وبايعه أصحابه بالإمامة في تلمسان عام 140ه، ويبدو أن بني يفرن كانوا من أكثر البربر حماساً للمذهب الصفري مما حدا بابن خلدون لأن يقول: »لما فشا دين الخارجية في المغرب، وغلبهم الخلفاء بالمشرق واستلجموهم، نزعوا إلى القاصية، وصاروا يبثون بها دينهم في البربر، فتلقنه رؤساؤهم على اختلاف مذاهبه، ففشا في البربر وضرب فيه يفرن هؤلاء بسهم، وانتحلوه وقاتلوا عليه«([12])، ويمكن القول أن المذهب الصفري قد انتشر بشكل خاص بين قبائل البربر في المغرب الأقصى، وليس عجيباً إذن أن نرى أول ثورة خارجية في المغرب قد انطلقت من هناك بزعامة ميسرة المظفري الصفري.