أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ١٨عرضة للزّوابع والزّعازع، ومرمى لسائر الأهواء والمطامع، كانت بطبيعة الحال جريدتنا هدفا لها، فقد هبّت عليها فواصف من كلّ ناحية، حتّى تضاعفت رياح الفتن، وتوالت أمواج المحن، فهوت بها من منبرها العالي، الذي طالما هزّت منه أوتار القلوب، وأرسلت منه أشعّة النّور إلى وراء الغيوب."
ثمّ يتطرّق إلى حرية الصّحافة في الجزائر في تلك الفترة، وكيف كان يعاملُ الوطنيّون الأحرار الذين يناضلون بالكلمة المسؤولة، ويتميّزون بالمواقف الملتزمة المناهضة لكلّ ضيم واستبداد، وكل ما يمسّ من السّيادة الوطنية والحرية، فيضيف قائلاً: " ولو أنّ النّكبة وقفت إلى هذا الحد لهانت المصيبة ولساغ مذاقها، فإنّ أمثال هذه الكوارث شيء عادي بالنّسبة للصّحافة، خصوصا في بلاد لم تكن فيها الضّمانة الكافية لحريتها، كما هو المتعارف عليه في البلاد الرّاقية، لكن تجاوز طمُّها حسب مقتضيات السّياسة إلى مديرها نفسه، فحرمته من حقوقه الطّبيعية والى قلمه، فحجّرت عليه الجولان في ميادينه المشروعة، فصدرت الأوامر بذلك الى أطراف البلاد"
إلّا أنّ أبا اليقظان لم يستسلم لهذه المضايقات، ولم تلنه هذه الضّغوط، ولم تقعد به المصادرات المتوالية لجرائده، مادام هدفه واضحا، وهو ايقاظ الأمّة الجزائرية بخاصّة، والأمّة الاسلامية بعامّة من سباتها العميق الذي غرقت فيه. وإخراجها من دائرة التّخلّف والحرمان اللّذين تسبّب فيهما الجهل والفقر، واتّساع رقعة الخلافات والنّعرات الطّائفية، وانعدام الموجّهين المؤهّلين، والغابة القصوى من كلّ ذلك هي تطهير المجتمع الإسلامي من أدران الأخلاق الفاسدة، وتوجيهه وجهة السّعادة الأبدية الحقّة، وتكوين المجتمع الجزائري تكوينًا صحيحًا يتشبّع بالأخلاق الفاضلة ويتغذّى بالأفكار الصّحيحة.
هذه المسؤولية عظيمة وشريفة وشاقّة، تتطلّب طول النّفس والمرابطة والتّجلّد وعدم الاعتراف بالفشل وعدم الاستماع للدّعايات المثبّطة للعزائم، أو الالتفات إلى العراقيل والصّعوبات. وتتطلّب قائداً حكيماً محنّكاً، يتمتّع بمؤهّلات ذاتية عالية، تساعده على الأخذ بزمام الأمور بقوّة، ليقود الأمّة إلى الطّريق المؤدّى إلى السّعادة والهناء.
كما لا يمكن أن تنال من عزيمته هذه المناورات والدّسائس، مادام المجتمع في حاجة إلى أمثاله، وقد أحسّ بهذه الحقيقة وأعطى الثّقة في نفسه