أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٢٦

يستطيع الدّارس أن يقف على هذه الحقيقة، حين يقلّب سجّل حياته: ما قال وما كتب، وما أسمع وما أشار، وما أسرّ وما أعلن، وما نفّذ وأدار … سيجد أنّ مواقفه ومضامينه الفكرية لم تختلف، ولم تتناقض أبدًا في كلّ مراحل حياته، ولم تتغيّر في مختلف الظّروف التي مرّ بها، أو وُجد فيها.

نحاول في الصّفحات الآتية أن نُبينَ عن هذه السّخرية، وعن بعض مضامينها وفنّيتها بشكل مركّز مختصر؛ عسانا نفلح في الكشف عن جانب من شخصيّة أبي اليقظان، وعن أسلوب من أساليبه في المقاومة، والعمل النّهضوي، ومن ثمّ تقديم نموذج للأديب الملتزم، صاحب رسالة وواجب نحو مجتمعه والإنسانيّة جمعاء.

نشير في البداية إلى أنّنا في عرضنا هذا اتّبعنا طريقة، قد يكون فيها نوع من التّعسّف في عمليّة الدّراسة والتّحليل للأثر الأدبي. تتمثّل في هذا الفصل بين أجزاء العمل الفنّي، الذي وُجدَ – حين وُجد، أو أنشأه الأديب، حين أنشأه – متّحدًا في جزأَيْه: الفكري والفنّي. غير أنّ الدّراسة التي تُعنى أو تهدف إلى إتاحة الفرصة للكشف عن عناصر القوّة أو الضّعف في المضمون والشّكل، بشيء من التّفصيل والتّعمّق، قد تشفع لنا في هذه الممارسة. مع الإشارة إلى أنَّ رسالة أبي اليقظان كغيره من الأدباء الجزائريّين المصلحين، كانت موجّهة إلى الإصلاح والتّوجيه والتّغيير … معنى هذا أنّهم كانوا يُعنَوْنَ بالمضامين أكثر من اهتمامهم بالجانب الفنّي، وكان مفهومهم للأدب مرتبطًا بالوظيفة التي يقوم بها.

على هذا الأساس أو من هذا المنطلق تكون دراستنا لظاهرة السّخرية في أدب أبي اليقظان؛ حتّى ننصفه في تجربته الشّعرية، ونقدّم صورة عن السّخرية الهادفة في كتاباته، التي قد تكون لها قيمة مضمونية، أكثر منها فنّية.

من بين القضايا الاجتماعيّة التي عالجها أبو اليقظان في أدبه السّاخر قضيّة الجمود الفكري، الذي يحمّل أصحابه مسؤولية كلّ ما حدث، وكلّ ما عاناه المصلحون والمجدّدون في مسيرتهم الإصلاحيّة؛ بسبب تصرّفاتهم الخاطئة، ونظرتهم الضّيّقة إلى الحياة. فكلّ جديد عندهم هو بدعة، وكلّ ما ينزل إلى الميدان، ممّا لم يُنقل عن السّلف، ولم يُعرف عن الآباء هو منبوذ، وكلّ ما لم تنصَّ عليه النّصوص الشّرعيّة صراحة هو محرّم.

هذا التّفكير وهذا الجمود صوّرَا لأصحابهما أنّ الصّحافة بدعة وخرافة. وقد أوْصلاَ بعضهم إلى النّفور منها وشتمها ولعنها، والبصق

٢٥ / ١٠٠