أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٢٥بقوا محرومين من مجال ينشرون فيه إبداعهم، في وقت استحالت فيه الحياة إلى جحيم لا يطاق: "بناء على ما تقدّم رأينا من الواجب أن ننشئَ جريدة عربيّة نصف شهريّة، تفي بهذا الغرض الشّريف، فأسّسنا هذه الجريدة تحت اسم (البستان)؛ إشعارًا بما ستحمله إلى قرّائها الكرام من كلّ ما يحمله البستان من أنواع الثّمار والفواكه والبقول والزّهور والرّياحين بإذن الله."(1)
لاحظنا من خلال ما قرأناه واطّلعنا عليه، ممّا نشر في الجريدة من خواطر وملح وطرف وفكاهات ونوادر … أنّ صاحب الجريدة كان يهاجم وينتقد، ويوجّه ويحرّض على المقاومة والتّصدّي لكلّ أساليب القمع والتّضليل والتّشويه …
4 – محاولته التّنفيس عن نفسه المجروحة وقلبه المكلوم؛ اجتهادًا منه في التّخفيف من أعباء الحياة الثّقيلة، ودفع السّأم والملل عن حياته الشّخصيّة. يقول الأستاذ فتحي أبو عيسى: إنّ البلسم الشّافي من هذه الآلام، ومن الأعباء الثّقيلة "يكمن في فكاهة تزيل عن النّفس كآبتها، وتجعلها تعيش لحظة تستروح فيها نسائم الحياة وأنفاسها العطرة."(2)
إنّ السّخرية من هذا المنظور تساعد السّاخرين، ومن يتعاطفون معهم على تجديد روح المقاومة والصّبر على متاعب الحياة وأعبائها، وتمنح فرصة التّماسك أمام الأحداث، وعدم الاستسلام لضربات الزّمن والعدوّ، والتّقليل من قوّتهما وهيبتهما، اللّتين تبدوان وكأنّهما خارقتان، لا تقهران، أو كأنّهما شبح لا يمكن الاقتراب، ولا النّيل منه …
نسجّل - هنا – أنّ الشّيخ أبا اليقظان، حين كان يختار السّخرية – أحيانًا – في كتاباته، وفي معالجته بعض القضايا، إنّما كان – فقط – يغيّر وسيلة التّوجيه والتّوعية، وطريقة المقاومة، أي كان يتوخّى الاستراتيجيّة التي يراها ناجعة في البلوغ به إلى غاياته، والوصول إلى أهدافه، ولم يكن أبدًا يتخلّى عن مبادئه، أو يتحوّل عن وجهته، أو ينحرف عن خطّه المستقيم، الذي رسمه لنفسه. وهو الذي يمتدّ بين نقطتي ارتكاز، لا تحيدان أبدًا: هما نقطة المبادئ الثّابته، ونقطة الأهداف المرسومة سلفًا. فلم تتفرّق به السّبل قددًا أبدًا.
(1) - جريدة البستان، ع: 1، (27/ 04/1933م).
(2) - أبو عبسى فتحي محمد معوّض، الفكاهة في الأدب العربي (دراسات ووثائق)، (ش. و. ن. ت)، الجزائر، 1390هـ/ 1970م، ص: 46.