أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٣

العصر، ويرضى به الدّين، هذا ما نفيده من فكر أبي اليقظان، ونستشفّه من عمله، ونستلهمه من مواقفه، ونستمدّه من توجيهاته، ونقرؤه في حركاته

الاطّلاع على فكره يعلّمنا كيف نوظّف إمكاناتنا في خدمة القضايا العامّة. وكيف نكتب لمعالجة المسائل التي تهمّ كلّ النّاس وكلّ البشر، من ذلك تسخير الكتابة لتحقيق الوحدة بين أبناء الأمّة الواحدة من دون المساس بالخصوصيّة التي تميّز جهة من جهة، أو فئة من فئة. يقول الشّيخ وهو يخاطب الشّعب الجزائري في افتتاحية العدد الأوّل لأولى جرائده (وادي ميزاب) سنة 1926م: " أيّها الجزائريّ الماجد، اعلم أنّ القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية، مسوّرة بسور واحد، وهو الإسلام، وسكّان دورها هم سكّانه، فلا يمنع انحياز كلّ في داره، ومحافظته على مميّزات عائلته فيه سائر سكّان المدينة من التّعاون والتّعاضد على جلب المصلحة لها، ودره المضرّة عنها. فإنّ مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، ومضرّتها هي مضرّتها. إذا أقبل النّهار فإلى الجميع، وإذا هجم اللّيل فعلى الجميع."

شخصيّة الشّيخ أبي اليقظان قويّة؛ بما تتميّز به من خصائص الأباة الكماة، من تلك الخصائص الجرأة والإقدام والصّراحة، والإصداح بالحقّ؛ مهما تكن المواقف، ومهما تكن المشاهد، ومهما يكن الشّخص الذي يكون محلّ الحديث معه أو عنه … وهو القائل: " لا يكبر أمامي عند كتابة موضوع ما أيّ شخصية لأي ّ رجل، بل اتّخذ الحق فيها رائدي، وإصابة كبد الحقيقة والواقع هدفي الأسمى. ومسلكي في ذلك هو مسلك القرآن تقريبا، الصّراحة والإصداع بالحقّ، قدر الإمكان، سيّما إذا كان أمامي ما أنا أعالجه من إلحاد وخيانة، أو مروق من الدّين أو فسوق، أو تهتّك في الأعراض. ولا اتّخذ الصّراحة والشّدة لنفسي إجابة للهوى. وأمّا ميزتي في ذلك ميزان تلك الشخصيّة المومأ إليها من الجحود والكنود بدون مبالاة."

اهتمّ بالتّاريخ وسيلة تربوية وتثقيفية وإعدادية للأجيال المتعاقبة، لهذا كتب في التّراحم، وألّف في السّير، وحرّر في العادات والتّقاليد، وسجّل مذكّرات … وقف في هذه الأعمال وهذا النّشاط موقف الموجّه والمربّي للأجيال. يأتي اهتمامه بهذا الجانب لكونه مربّيا للأجيال، يعرف دوره في تربية النّشء الطّالع: تهذيبا للنّفوس وتكوينا للرّجال وتبصيرَ المواطن بالقوّة والضّعف في التّجارب الانسانية. ندعو المثقّفين ليحذوا حذوه، فيعملوا على الكشف عن هذا التّاريخ المجهول

٣ / ١٠٠