أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٣٣

- عصفوري: لأنّ هذه النّياشين الحمر تذكّرني - بلونها الأحمر - بجريان الدّم في رقاب وحواصل أخواتي العصافير المذبوحة بيد الصّيّاد، ولهذا أتشاءم منها كلّما رأيتها، وسمعت منها.

- فقلت: صدقت والله أيّها العصفور الحرّ، فلتعش حرًّا طليقًا؛ رغمًا عن الإنسانيّة المعذّبة … "(1)

النّصّ ملئ رموزًا. فالعصفور – غالبًا – ما يكون مقفوصًا، أو تكون حريّته منغصّة بالمطاردات.

على هذا الحال كان الشّعب الجزائري تحت الحكم الفرنسي؛ ولهذا كان دائم التّطلع إلى الحرية، التي لا تشترى بالذّهب، مثلما يردّد الطّائر في الأناشيد المتواترة المؤلّفة على لسانه. وفي الرّمز إلى العصفور وإجراء الحديث على لسانه أكثر من دلالة معنوية، وفي استصدار هذه النظريّة من عصفور: المخلوق الضّعيف تعريض بالإنسان صاحب العقل والإدراك، الذي تغيب عنه هذه الحقائق.

كما فيه تعريض بالذين يقبلون هدايا وأوسمة تقدير من الأعداء، الذين يكيدون للإسلام وأهله. هذا التّقدير لا يأتي ولا يحصل – عادة- إلّا مكافأة على تقديم أعمال وخدمات تحقّق أهداف المستعمر. وفيه تعريض أيضا وتحقير الذين يرتدون لباس الأصالة والهمّة والمروءة، والذين يظهرون بسمت أهل الشّهامة والإباء والعزّة: لحىً عنوان الرّجولة، وبرانيس عنوان الأصالة، مع ذلك يدنّسون هذه الرّموز، ويسيئون إليها بهذه التّصرّفات.

والمقارنة بين النّياشين الحمراء المعلّقة على صدور ذوي اللّحاء والبرانيس، والصّياد الذي يحمل بندقيّته ليصطاد العصفور، مقارنة بين عدوّ مكشوف وعدوّ متستّر بمظهر القريب والصّديق، الذي يُطمأنّ إليه ويركن … ثم يخون ويغدر في الخفاء، ولهذا كان العصفور يكره أصحاب النّياشين أكثر من الصّيّاد.

في هذا تعريض بالسّائرين في ركاب الاستعمار المنفّذين خططه، وغيرها من الرّموز التي أوجدها الكاتب من هذه القصّة الموضوعة على لسان عصفور؛ ليكشف من خلالها عن مشاعره الحزينة وحسرته المريرة، وهنا تتحقّق وظيفة الرّمز، الذي يومئ ويوحي؛ بوصفه تعبيرا غير مباشر

(1) 1 - فلاّح البستان (أبو اليقظان)، " صدقت والله"، جريدة البستان، ع: 8، (20/ 06/ 1933م).

٣٢ / ١٠٠