أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٣٢

بإخفاء حقيقة ما يدعو إليه. وأسلوب المغافصة واستغفال العدوّ من أهداف السّخرية، لهذا يوغل الكاتب في عالم الخيال، ويستبطن حياة الجراد ويستلهمهما ليوجّه بعض الانتقادات لما يحدث من مساس بالشّخصيّة والأصالة، ولما ينال من كرامة الفرد ومقوّماته، فقال: " يقلقني أن يتسرّب الجراد حتّى للحدائق والبساتين والمساجد ودكاكين الحلاقة، فيأتي على الأخضر والأكحل والأحمر والأصفر، ولا يترك إلاّ أرضًا جرداء وذقونًا قاحلة …

يقلقني من هذا الجراد عناده وإصراره وثباته وسيره دائمًا وأبدًا إلى الأمام، وانقياده إلى زعمائه ورؤسائه أنّى ساروا، وأينما توجّهوا، ولا يثنيهم عن عزمهم، لا حرق ولا خنق، ولا تبديد ولا تشريد، ولا ولا … ولا أرى هذه الصّفات في أبناء آدم، اللّهم إلاّ في الخسائس والتّوافه، وما فيه نزهة إبليس … "(1)

من هذه المقلقات والمنغّصات نقف على الإشارات النّفسيّة، والومضات الشّعورية التي كشفت عنها هذه الرّموز المنتقاة من عالم الجراد، التي هي لذعات وانتقادات، ودعوات ونداءات إلى الإفاقة والنّهوض والعمل على التّغيير. وقد لاحظت أنّ أبا اليقظان أكثر من الحديث عن الجراد، والرّمز بواسطته إلى مجموعة من الأفكار، وبخاصّة في جريدته " البستان ". هذا التّوظيف في حاجة إلى تأمّل.

لكي ينتقد الكاتب مواقف الانهزام ومواقف الخيانة للوطن، الصّادرة من بعض من كان يسخّرهم الاستعمار لخدمة أغراضه. وفي الوقت نفسه يعرّض بسياسة العدوّ العاملة على خنق حريّة المواطنين. في سبيل ذلك يلجأ إلى حوار يجريه مع عصفوره: " سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش في صدري، وكان العصفور ذكيًّا شيطانًا، فأجابني عنه بِما أقنعني، وتركني باهتًا لإصابة نظريته، وهو: لماذا تكره النّياشين إذا رأيتها معلّقة على صدور ذوي اللّحاء والبرانيس بأنواعها؟

- عصفوري: نعم أكره هذا، أكثر من رؤيتي الصّيّاد وعلى كتفه بندقيته يقنصني.

- ولماذا؟

(1) - " مغفل" (أبو اليقظان)، " مقلقاتي "، جريدة البستان، ع: 6، (06/ 06/ 1933م).

٣١ / ١٠٠