أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٣٧يعلنون على الخمور فينادون أن شجّعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي والمقاصف فيموّهون أنّ ذلك لتمدين الوطن، ينظّمون حفلات الرّقص والغناء، فيختلط الحابل بالنّابل، فيعلنون بلا خجل أنّ ما يتجمّع منها لفائدة المشروع الخيري الوطني، وليتها لم تزن ولم تتصدّق، كأنّما الوطن فندق متداعي الجدران، والوطنيّة فؤوس ومعاول تقتنى لهدمه واكتساحه"(1).
يسخر أبو اليقظان من هذه الأفكار السّخيفة، ومن هذه العقول السّقيمة، التي انقلبت عندها الموازين، واختلطت لديها المفاهيم، فأصبحت ترى في الفؤوس والمعاول التي تهدم، ترى فيها أدوات للبناء والتّشييد. فالكاتب بقدر ما يتهكّم بتصرّفات هؤلاء النّاس، يتحسّر كمدا على تركيبات هذا الصّنف من البشر وتكوينهم، الذي أسهمت فيه الخطّة الاستعماريّة والعمل التّبشيري الصّليبي، الذي أشرنا إليه آنفا.
نبقى مع موضوع الاستعمار وحيفه وتنكيله بالوطنيّين، ونورد نموذجا من هذه الممارسات، يقترحه علينا الشّيخ أبو اليقظان. يقدّمه إلينا في شكل حكاية من حكايات التّسلية، أو ما تعمر به جلسات السّمر؛ مما يروّح عن النّفس، ويسلّي القلب، ويؤاسي الكئيب، ولو إلى حين، بما تشتمل عليه هذه الحكايات من مفاجآت وغرائب. إلاّ أنّ تقديم أبي اليقظان لها كان هادفا إلى الكشف عن جانب من ممارسات المستعمر التّعسفية. قدّم مثلا حيًّا ونموذجا صارخًا من معاملة المستعمر الأهالي والمشاريع المنجزة. فكتب عن زيارة الحكومة الفرنسيّة لتدشين المطبعة العربيّة التي أنشأها سنة 1931م.
بدأ قصّته كما يأتي: "وحيث أنّنا أتممنا نحن مشروع مطبعتنا العربيّة، ولم نقم بهذا الواجب (واجب التّدشين) رأت الحكومة من اللاّئق بعظمة المشروع أن تقوم بتدشينه هي، فأرسلت لجنة تتركّب من حضرة كوميسار البوليس وأعوانه، لينوبوها في ذلك"(2).
ثمّ سرد تفصيلات الزّيارة وعمليّة التّدشين متهكّما معرّضا بالمعاملة التي قدّمتها اللّجنة، والتي هي أَلْيَقُ بمقام المشروعات: "ففي السّاعة 7 و15 صباح السّبت 7 مارس، شرّفتنا اللّجنة بلباسها الرّسمي، حاملة إذن والي الولاية العامّة المحترم بتفتيش محلّ المطبعة، ففتّشوه – رعاهم الله- بكل دقّة
(1) - الوطنيّة الحقة، (د. إ) جريدة وادي ميزاب، ع: 52 (07/ 10/1927) المقال لأبي اليقظان.
(2) - "وادي ميزاب عند تدشين المطبعة العربيّة" (د. إ)، جريدة المغرب ع: 37) 19/ 03/1931).