أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد

الجزء ١ · صفحة ٣٩

الرّسمي. فوهمت أنّه لا يزال شبح (وادي ميزاب) بمدفنه، فقصدته بكلّ شجاعة، ففتحت قبره بدون حضور وليّه، فدارت في كلّ زواياه، وبكلّ أسف لم تجد إلاّ غبارا متراكما على مكتبه، ومن العجيب أنّه ما يزال بعبع (وادي ميزاب) ماثلا في المخيّلات رغما عن مضيّ عامين على مصرعه!! وقد ذكّرتنا هذه القصّة بقصّة جحا ورفات الحمار"(1)

تأسّف الكاتب لكون مجهود اللّجنة كان ضائعا، إذ لم تعثر على ما كانت تطلبه، وهو القبض على جريدة (وادي ميزاب) لأنّها قد ماتت منذ عامين، لكنّ الخوف الذي تركته في قلوب المستعمرين جعلهم لا يصدّقون بموتها، ففتّشوا عنها حتىّ في مدفنها. تحسّر الكاتب أيضا على الخسارة التي لحقت اللّجنة: خسارة على الشّجاعة التي أظهرتها، وخسارة على الجهد المبذول، وخسارة على الجسارة في خرق القوانين في سبيل غاية لم تتحقّق. وتكون هذه اللّفتات السّاخرة من الكاتب بالغة غايتها في الاحتقار والازدراء، حين يربط بين قصّة الزّيارة بنتائجها وقصّة جحا ورفات الحمار.

لمزيد من الاطّلاع والكشف عن عسف المستعمر وقهره الشّعب، نفتّش مع أبي اليقظان عن الحريّة التي منحتها فرنسا للجزائريّين، ونتعرّف على الدّيمقراطيّة التي تبرّعت بها عليهم، ونتبيّن الأفضال التي كانت تنعم بها على المواطنين: " بَعَثَنا الله إليكم لنبدل ذلّكم عزّا، ولكن بصبّ كؤوس الهوان على رؤوسكم، وفقركم غنى، ولكن بابتزاز أراضيكم ومقدّرات بلادكم، وترك مئات الآلاف يلتحفون الغبراء، وجهلكم علما، ولكن بإغلاق المدارس في وجوه أبنائكم، وترك 90 ألف نسمة يذرعون الطّرقات، وعبوديّتكم حريّة، ولكن بإحاطتكم بأسلاك شائكة من قيود القوانين الاستثنائية، نحن نتعهّد باحترام ديانتكم، ولكن بمضايقة رجال الدّين، وإطلاق العنان للمبشّرين يجوسون خلال الدّيار، ويأخذون طريقهم إلى القلوب لابتزاز العقائد منها، نحن نحترم آدابكم وثقافتكم، ولكن بمطاردة لغتكم العربيّة، واعتبارها وهي لسانكم لغة أجنبيّة كلغة الألمان والطليان، نحن نعطيكم الحريّة التّامة في انتخاب نوابكم، ولا نتدخّل فيما بينكم أبدا إلّا بإطلاق المسدّسات فقط، وقتل وجرح النّاخبين فحسب!!

ذوق سليم ومنطق مستقيم، وعدل عميم، ومنهاج قويم، جاءتنا به أوروبا، لتخرجنا من الظّلمات إلى النّور … !! لتملي علينا دروس الحضارة والتّمدين، لتلقّننا مبادئ التّثقيف والتّهذيب، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله!! ..

أهكذا يكون التّمدين؟! أهكذا يكون التّهذيب؟ أبهذا تمتلك القلوب؟! "(2).

النّصّ ينضح حسرة ومرارة، أفصح عنهما الكاتب بأسلوب ساخر معرّض بالمفارقات في تصرّفات المستعمر، كشفت عنهما هذه المقابلة بين الادّعاء والحقيقة في ميدان التّطبيق وطريقة التّنفيذ، وأبانت عنهما عبارة (نفعل كذا ولكن … )

هذه الكلمات والجمل تعبّر تعبيرا صادقا وقويّا عن قمّة القلق النّفسي والألم المبرّح، بسبب تدهور الحالة السّياسيّة في الجزائر، وتكشف عن قمّة احتدام الصّراع مع المستعمر، كما تعبّر بصفة خاصّة عن حالة الكاتب الخاصّة ونفسيّته، ونفاذ صبره من مضايقات الاستعمار له في جهاده الصّحفي، والمصادرات المتكرّرة لجرائده. فبعد شهور فقط من كتابة هذا المقال، يصادر العدوّ جريدته "الفرقان"(3). بعدها يقرّر اعتزال الصّحافة التي قال عنها يوما ما:

إنّ الصّحافة للشّعوب حياة … والشّعب من غير اللسان مواتُ

فهي اللّسان المفصح الذَّلُ الذي … بِبَيانِه تُتداركُ الغاياتُ(4)

إنّ اعتزاله الصّحافة لم يكن إلاّ بسبب المضايقات التي لقيها من المستعمر، فهجر هذه الوسيلة الضّرورية لحياة الشّعوب، وهذا اللّسان

(1) - جريدة المغرب، ع: 37.

(2) - " لكم الحرية التّامة في الانتخاب ولكن تحت طلقات المسدّسات وبين أزيز الرّصاص" (د. إ) جريدة الأمّة ع: 155 (22/ 02/1938م) المقال لأبي اليقظان، كتبه بعد حوادث بسكرة التي وقعت يوم (06/ 02/1938) أثناء معركة الانتخابات.

(3) - صدر العدد السادس من الجريدة يوم: 02/ 08/1938م. وهو آخر عدد يصدره أبو اليقظان في نشاطه الصّحفي.

(4) - ديوان أبي اليقظان ج1 ط2، المؤسّسة الوطنيّة للفنون المطبعيّة، الرّغاية (الجزائر) سنة 1989، ص: 130.

٣٨ / ١٠٠