أبو اليقظان وقواعد التربية والبناء والإعداد
الجزء ١ · صفحة ٤٠المفصح عن آمالها وغاياتها، وتركها تحت ضربات العدوّ القاتلة، وغيّر وسيلة العمل والجهاد(1)
حين نحضر هذا الجوّ الذي تنفّس فيه نصّ أبي اليقظان سابق الذّكر، نقف على المرارة والحسرة اللّتين طبعتاه، ونفهم السّخرية التي وصف بها الكاتب أعمال المستعمرين.
هذه نماذج من المضامين التي شملتها سخرية أبي اليقظان، وهي كثيرة لا يسع المقال المحدود، ولا المقام الضيّق بالتّعرّض لها كلّها. حسبنا أن نكشف عن هذه السّخرية الهادفة الملتزمة التي تميّز بها أدب أبي اليقظان والتي كان لها دور كبير في خدمة القضايا المختلفة، ثمّ الإسهام في اليقظة والنّهضة الجزائريّة الحديثة.
أمّا عن الأساليب التي اعتمدها الشّيخ أبو اليقظان في السّخرية، فيكفي أن نشير إلى بعضها على سبيل التّمثيل فقط.
من بين أساليب علم المعاني البلاغية التي استعملها الكاتب، أسلوب الاعتراض، الذي يعتمد على جمل يأتي بها الكاتب في أثناء كلام متّصل؛ لغرض يقصده بهذه البلاغة، ولا يكون لهذه الجمل أيّ محلّ من الإعراب، وتكون هذه الجمل موجعة مؤلمة؛ حين توضع في موضعها، وفي سياق محكم، فيتحوّل الكلام من معنى المدح إلى معنى الذمّ، أو من الوصف العادي والكلام العابر إلى تهكّم يصيب في المقاتل.
اعتمد الكاتب هذا الأسلوب لينال من خصومه، ويسخر منهم. فهو الذي اكتوى بنار السّياسة وذاق منها الأمرّين؛ بسبب ما أَذاقه الاستعمارُ من أنواع التّنكيل والتّضييق، ومصادرة جرائده، ووأد أفكاره، ومحاولات إخماد مشاعره … كتب لاعنا السّياسة، مندّدا بها، داعيا إلى نبذها، مستعملا جملا اعتراضية، ساعدته على تحويل الكلام ونقله إلى خلاف ما يتوهّم النّاس؛ من ترك السّياسة إلى ممارستها، وذلك بواسطة التّهكم من الاستعمار الذي كان السّبب في التّزهيد فيها. فبعد أن ذكر أنّه لا يتمكّن من النّطق بكلمة "سياسة " لأنّها كلمة لاذعة، يعاقب عليها القانون بكلّ أنواع العقاب قال: " لا أنطق بها
(1) - وهو القائل: " … بعدما رأيت الجوّ مكفهرّا بعد تعطيل جرائدنا، وبعد أن أيست من الرّجوع إلى ميدان الصّحافة ورأيت نفسي وفي الأجل بقيّة للعمل والحمد لله، حوّلت وجهي للتّأليف … " أبو اليقظان إبراهيم، "نشأتي" (مخ) ص: 59. ينظر أيضا كتابنا "أبو اليقظان في الدّوريات العربيّة "، جمع وتعليق، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1985م، ص: 176، 177.